الشيخ محمد رشيد رضا
353
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فليشربوا من أبوالها وألبانها . فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد اسلامهم ، وقتلوا راعي النبي ( ص ) واستاقوا الذود . فبلغ ذلك النبي ( ص ) فبعث الطلب في آثارهم ، فأمر بهم فسمروا أعينهم « 1 » وقطعوا أيديهم ، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم . زاد البخاري ان قتادة الراوي للحديث عن أنس قال : بلغنا ان النبي ( ص ) بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة . وفي رواية لاحمد والبخاري وأبي داود قال قتادة فحدثني ابن سيرين أن ذلك كان قبل ان تنزل الحدود ( أي في الآية التي نحن بصدد تفسيرها ) وروى أبو داود والنسائي عن أبي الزناد أن رسول اللّه ( ص ) لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار ، عاتبه اللّه في ذلك فانزل « إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا » الآية . وفي القصة روايات أخرى مفصلة . ومنها انه أباح لهم إبل الصدقة كلها في غدوها ورواحها وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس في الآية قال : نزلت في المشركين منهم ، من تاب قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل ، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد ان قتل أو أفسد في الأرض ، أو حارب اللّه ورسوله ، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه ، لم يمنعه ذلك ان يقام فيه الحد الذي أصابه . ( ومثله عند ابن جرير عن الحسن ) وروى ابن جرير والطبراني في الكبير عن ابن عباس أيضا أنه قال : كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول اللّه ( ص ) عهد وميثاق ، فنقضوا العهد ، وأفسدوا في الأرض ، فخير اللّه نبيه فيهم ، ان شاء ان يقتل وان شاء ان يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وفي بعض الروايات زيادة الا من أسلم قبل أن يؤخذ . وروى ابن جرير أيضا ما تقدم من كون الآية نزلت عتابا للنبي ( ص ) على سمل أعين العرنيين وقطع أيديهم وتركها بدون حسم فكانت الآية تحريما للمثلة عند هؤلاء . على أنه ثبت انه كان ( ص ) ينهى عن المثلة قبل نزول المائدة . وروى عن آخرين انه ( ص ) كان أمر بسمل أعينهم وقطعهم كما
--> ( 1 ) سمرها كحلها بمسامير الحديد المحماة . وفي رواية فسملوا وهي بمعنى الأولى