الشيخ محمد رشيد رضا
342
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عليهم نبأهما أي وقت تقريبهما القربان ، وما تبعه من البغي والعدوان . والقربان ما يتقرب به إلى اللّه تعالى من الذبائح وغيرها . وغلب عندنا في ذبائح النسك كالأضاحي . وكانت القرابين عند اليهود أنواعا ( منها ) المحرقات للتكفير عن الخطايا وهي ذكور البقر والغنم السالمة من العيوب . والذبائح عن الخطايا : عن الخطايا العامة والخطايا الخاصة . ( ومنها ) ذبائح السلامة لشكر الرب تعالى ( ومنها ) التقدمات من الدقيق والزيت واللبان . ( ومنها ) تقدمة الترديد من باكورة الأرض . واما القربان عند النصارى فهو ما يقدسه الكاهن من الخبز والخمر فيتحول في اعتقادهم إلى لحم المسيح ودمه حقيقة لا مجازا ! والقربان في الأصل مصدر قرب منه واليه قربا وقربانا ، فلهذا يستوي فيه المفرد وغيره . والأقرب ان كل واحد منهما قرب قربانا ، ويجوز ان يكونا قد قربا قربانا واحدا كانا شريكين فيه فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ أي فتقبل اللّه من أحدهما قربانه أو تقريبه القربان لتقواه وإخلاصه فيه وطيب نفسه به ، ولم يتقبل من الاخر لعدم التقوى والاخلاص . والتقبل أخص من القبول لأنه ترق فيه إلى العناية بالمقبول والإثابة عليه . ولم يبين لنا اللّه تعالى كيف علما انه تقبل من أحدهما دون الآخر ، ويحتمل أن يكون ذلك بوحي من اللّه لأبيهما آدم عليه السّلام ، بناء على قول الجمهور انهما ابنا آدم لصلبه وفاقا لسفر التكوين ، أو لنبي زمانهما على قول الحسن انهما كانا من بني إسرائيل ، وهو قول ضعيف خلاف الظاهر المتبادر . وروي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما ان أحدهما كان صاحب حرث وزرع والآخر صاحب غنم ، وان هذا قرب أكرم غنمه واسمنها وأحسنها طيبة به نفسه ، وصاحب الزرع قرب شر ما عنده واردأه غير طيبة به نفسه . وروي عن بعضهم أن القربان المقبول كانت تجيء النار فتأكله ، ولا تأكل غير المقبول ، وهذه أخبار إسرائيلية اختلفت الروايات فيها عن مفسري السلف ، بعضها يوافق ما عند اليهود في سفر التكوين وبعضها يخالفه . وليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ( ص ) يعول عليه قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ أي ان من لم يتقبل منه توعد أخاه وأقسم ليقتلنه فأجابه أحسن جواب وأنفعه : قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أي لا يقبل اللّه الصدقات