الشيخ محمد رشيد رضا

343

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وغيرها من الاعمال القبول المقرون بالرضا والإثابة الا من المتصفين بالتقوى ، فهذا الجواب يتضمن بيان سبب القبول وعدمه مع الاعتذار ، كأنه قال انني لم أذنب إليك ذنبا تقتلني به ، فإن كان اللّه تعالى لم يتقبل منك ، فارجع إلى نفسك فحاسبها على السبب ، فإنما يتقبل اللّه من المتقين ، أي الذين يتقون الشرك الأكبر والأصغر وهو الرياء ، والشحّ واتباع الأهواء ، فاحمل نفسك على تقوى اللّه والاخلاص له في العمل ، ثم تقرب اليه بالطيبات يتقبل منك ، فاللّه تعالى طيب لا يقبل الا طيبا ( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) فليتعظ بهذا أهل الغرور بأعمالهم ، ولا سيما النفقات التي يراءون بها الناس ، ويبتغون بها الصيت والثناء . ثم إنه بعد بيان هذه الحقيقة من حق اللّه والتقرب اليه ، بين له حقيقة أخرى وهي ما يجب للناس ولا سيما الاخوة بعضهم على بعض من احترام الدماء وحفظ الأنفس فقال : * * * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ أي بين له حاله وما تقتضيه من عدم مقابلته على جنايته بمثلها ، مؤكدا ذلك بالقسم وبجملة النفي الاسمية المقرون خبرها بالباء ، وهو انه إن بسط يده أي مدها ليقتله بها ، لا يجزيه بالسيئة سيئة مثلها ، وان هذه الجناية لا تأتي منه ولا تتفق مع صفاته وشمائله . ذلك بأنه لم يعبر عن نفسه بصيغة الفعل المضارع المنفي كما عبر بالماضي المثبت عن عمل أخيه ، - وهو المتبادر في مقابلة الشيء بضده - بل قال « ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك » أي لست بالذي يتصف بهذه الصفة المنكرة المنافية لتقوى اللّه تعالى ، ولا شك ان نفي الصفة أبلغ من نفي الفعل ، الذي هو عبارة عن الوعد بالترك ، لأنه عبارة عن وعد مؤكد ببيان سببه . ثم أكده تأكيدا آخر ببيان علته وهو قوله إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ أن يراني باسطا يدي إلى الإجرام وسفك الدم بغير حق ، فان ذلك يسخطه ويكون سبب عقابه ، لأنه رب العالمين الذي يغذيهم بنعمه ، ويربيهم بفضله وإحسانه ، فالاعتداء على أرواحهم أعظم مفسد لهذه التربية ومعارض لها في بلوغ غاية استعدادها ، ومن يخاف اللّه لا يعتدي هذا الاعتداء . وهذا الجواب من الأخ التقي بتضمن أبلغ الموعظة وألطف الاستعطاف لأخيه العازم على الجناية ، ولا يقال : انه كان يجوز له الدفاع عن نفسه ولو بقتل الصائل عليه - حتى يحتاج إلى الجواب بأن شرع