الشيخ محمد رشيد رضا
339
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( 32 ) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ ، وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 33 ) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 34 ) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ ، قالَ : يا وَيْلَتى ! أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ ؟ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي ، فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 35 ) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً . وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ جاءت هذه القصة في سياق الكلام على أهل الكتاب ، وشأنهم مع النبي ( ص ) والقرآن ، بين قصة بني إسرائيل الذين عصوا ربهم فيما كلفهم من قتال الجبارين ، وبين ما شرعه اللّه من جزاء الذين يخرجون على أئمة العدل ، ويهددون الأمن ، ويفسدون في الأرض ، وما يتلوه من عقاب السرقة . فمناسبة هذه الآيات للسياق في جملته ، أنها بيان لكون الحسد الذي صرف اليهود عن الإيمان بالنبي ( ص ) وحملهم على عداوته ، عريق في الآدميين وأثر من آثار من سلفهم ، كان لهؤلاء القوم منه النصيب الأوفر ، ويتضمن تسلية النبي ( ص ) والمؤمنين ، وإزالة استغرابهم اعراض هذا الشعب عن الاسلام ، على وضوح برهانه ، وكثرة آياته . وأما مناسبتها لما قبلها وما بعدها مباشرة فهو بيان حكمة اللّه في شرع القتال والقود ، على ما شدد فيه من تحريم قتل النفس . ذلك أنه لما كان القتال بين الأمم ، وقتل الحكومات للأفراد ، أو تعذيبهم بقطع الأطراف - كل ذلك قبيحا في نفسه ، كان من مقتضى رحمة اللّه تعالى وحكمته ، انه لا يباح الا لدرء ما هو أقبح منه