الشيخ محمد رشيد رضا
340
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأضر . وكان من كمال الدين أن يبين لنا حكمة ذلك ، فجاءت هذه القصة في هذا المقام تبين لنا ان اعتداء بعض البشر على بعض حتى بالقتل هو أصيل فيهم ، وقع بين أبناء أبيهم آدم في أول العهد بتعددهم ، لأنه أثر من آثار ما جبلوا عليه من كون أعمالهم باختيارهم ، حسب ارادتهم التابعة لعلمهم أو ظنهم ، وكون علومهم وظنونهم من كسبهم ، وكونها لا تبلغ درجة الإحاطة بمصالحهم ومنافعهم ، وكذا ما جبلوا عليه من حب الكمال ، وما يتبعه من حسد الناقص لمن يفوقه في الفضائل والأعمال ، وكون الحاسد يبغي ان قدر ، ما لم يزعه الدين أو يمنعه القدر ، وهو لا يبغي ولا يقتل الا وهو يظن أن ذلك خير له وأنفع ، وأنوه بقدره وأرفع ، ومثل هذا الظن لا يزول من الناس ، الا إذا أحاط كل فرد من أفرادهم علما بكل شؤون المعاش والمعاد ، وارتباط المنافع الشخصية بمنافع الاجتماع ، وأقاموا الدين القيم كلهم على الوجه الذي أراده اللّه ، وكل ذلك محال لأن طبيعة البشر تأباه . فهم يخلقون متفاوتين في الاستعداد للعلم ، وما يرد على أنفسهم من صور المعلومات بأنواعها يختلف ، وما يتحد منه يختلف تأثيره الذي يترتب عليه العمل . فالاختلاف في العلم والرأي والشعور والوجدان طبيعي فيهم ، ومن لوازمه النافعة اشتغال كل فريق منهم بنوع من أنواع الاعمال ، وبذلك يظهرون اسرار اللّه وحكمه في الكائنات ، وينتفعون بما سخره لهم من أنواع المخلوقات ، ومن لوازمه الضارة التخاصم والنقاتل . لأجل هذا صاروا محتاجين إلى الحكام والشرائع . وكان من عدل الشريعة ان تبنى أحكام قتل الافراد وقتال الشعوب على قواعد درء المفاسد وإقامة المصالح . ( وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ) - فهذه الآيات في هذا الموضع مبينة لحكم ما قبلها ، وما بعدها من الاخبار والاحكام . وقال ابن جرير وقال وتبعه بعض المفسرين ان هذه الآيات متعلقة بقوله تعالى ( 12 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ) الآية . وقال بعضهم انها متعلقة بقوله تعالى ( وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ ) الآية . وما قلناه أكمل ، وأعم وأشمل . قال تعالى * * * وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ الأصل لمعنى مادة ( ت ل و ) التبع .