الشيخ محمد رشيد رضا
338
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
نصب أو جوع ، أو كلفوا أمرا يشق عليهم ، يتطيرون بموسى ويتململون منه ، ويذكرون مصر ويحنون إلى العودة إليها ، ولما غاب عنهم أياما لمناجاة ربه اتخذوا لهم عجلا من حليهم الذي هو أحب شيء إليهم وعبدوه ! لما رسخ في نفوسهم من إكبار سادتهم المصريين واعظام معبودهم العجل ( أبيس ) وكان اللّه تعالى يعلم أنهم لا تطيعهم نفوسهم المهينة على دخول أرض الجبارين ، وان وعده تعالى لأجدادهم انما يتم على وفق سنته في طبيعة الاجتماع البشري إذا هلك ذلك الجيل الذي نشأ في الوثنية والعبودية للبشر وفساد الاخلاق ، ونشأ بعده جيل جديد في حرية البداوة ، وعدل الشريعة ونور الآيات الإلهية ، وما كان اللّه ليهلك قوما بذنوبهم ، حتى يبين لهم حجته عليهم ، ليعلموا انه لم يظلمهم وانما يظلمون أنفسهم ، وعلى هذه السنة العادلة أمر اللّه تعالى بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة ، بعد ان أراهم عجائب تأييده لرسوله إليهم ، فأبوا واستكبروا فأخذهم اللّه تعالى بذنوبهم ، وأنشأ من بعدهم قوما آخرين ، جعلهم هم الأئمة الوارثين ، جعلهم كذلك بهممهم وأعمالهم ، الموافقة لسننه وشريعته المنزلة عليهم . - فهذا بيان حكمة عصيانهم لموسى بعد ما جاءهم بالبينات ، وحكمة حرمان اللّه تعالى لذلك الجيل منهم من الأرض المقدسة فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي بينها اللّه تعالى لنا ، ونعلم أن اصلاح الأمم بعد فسادها بالظلم والاستبداد ، إنما يكون بإنشاء جيل جديد يجمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها ، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها ، وقد كان يقوم بهذا في العصور السالفة الأنبياء ، وإنما يقوم بها بعد ختم النبوة ورثة الأنبياء ، الجامعون بين العلم بسنن اللّه في الاجتماع ، وبين البصيرة والصدق والاخلاص في حب الاصلاح ، وإيثاره على جميع الأهواء والشهوات ، ومن يضلل اللّه فما له من هاد . * * * ( 30 ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ، قالَ : لَأَقْتُلَنَّكَ . قالَ : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 31 ) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ