الشيخ محمد رشيد رضا

337

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

احتقرتموها 32 فجثثكم أنتم تسقط في هذا القفر 33 وبنوكم يكونون رعاة في القفر أربعين سنة ، ويحملون فجوركم حتى تفنى جثثكم في القفر 34 كعدد الأيام التي تجسستم فيها الأرض أربعين يوما للسنة يوم تحملون ذنوبكم أربعين سنة فتعرفون ابتعادي 35 أنا الرب قد تكلمت لأفعلن هذا بكل هذه الجماعة الشريرة المتفقة عليّ ، في هذا القفر يفنون ، وفيه يموتون ) لا نبحث هنا في هذه العبارات التي أثبتناها ، ولا في ترك ما تركناه من الفصل في موضوعها ، لا من حيث التكرار ، ولا من حيث الاختلاف والتعارض ، ولا من حيث تنزيه الرب وتعالى ، ولا نبحث عن كاتب هذه الاسفار بعد سبي بني إسرائيل . وانما نكتفي بما ذكرناه شاهدا ، ونقول كلمة في حكمة هذا العقاب ، تبصرة وذكرى لأولي الألباب ، وهي : ان الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد ، وتساس بالظلم والاضطهاد ، تفسد أخلاقها ، وتذل نفوسها ، ويذهب بأسها ، وتضرب عليها الذلة والمسكنة ، وتألف الخضوع ، وتأنس بالمهانة والخنوع ، وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الاخلاق موروثة ومكتسبة ، حتى تكون كالغرائز الفطرية ، والطبائع الخلقية ، إذا أخرجت صاحبها من بيئتها ، ورفعت عن رقبته نيرها ، ألفيته ينزع بطبعه إليها ، ويتفلت منك ليتقحم فيها ، وهذا شأن البشر في كل ما يألفونه ويجرون عليه من خير وشر ، وايمان وكفر ، وقد ضرب النبي ( ص ) مثلا لهدايته وضلال الراسخين في الكفر من أمة الدعوة فقال « مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها ، ويجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها ، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقحّمون فيها » رواه الشيخان أفسد ظلم الفراعنة فطرة بني إسرائيل في مصر ، وطبع عليها بطابع المهانة والذل ، وقد أراهم اللّه تعالى ما لم ير أحدا من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى عليه السّلام ، وبين لهم انه أخرجهم من مصر لينقذهم من الذل والعبودية والعذاب ، إلى الحرية والاستقلال والعز والنعيم ، وكانوا على هذا كله إذا أصابهم ( تفسير القرآن ) « 43 » ( الجزء السادس )