الشيخ محمد رشيد رضا

31

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون - واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة - يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل ان يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) وقد علم مما ذكرناه من تزكية النفس وتدسيتها بعمل الانسان وكسبه الاختياري ان الجزاء في الآخرة أثر لازم للتزكية والتدسية مرتب عليهما ترتب المسبب على السبب والمعلول على العلة بفضل اللّه وحكمته ومقتضى سنته في خلقه ، ( وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ - وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) * أليست هذه التعاليم الاسلامية هي التي ترفع قدر الانسان وتعلي همته وتحفزه إلى طلب الكمال بايمانه واخلاصه وأعماله الصالحة ؟ أليست أفضل وأنفع من الاتكال على تلك القصة الصليبية المأثور مثلها عن خرافات الوثنيين ، التي لا يصدقها عقل مستقل ، ولا يطمئن بها قلب سليم ، المخالفة لسنن الفطرة ونظام الخلقة ، التي أفسدت العقول والاخلاق في الممالك الصليبية منذ شاعت فيها بنفوذ الملك قسطنطين الصليبي إلى أن عتقت أوربة من رق الكنيسة بنور العلم والاستقلال اللذين أشرقا عليها من بلاد الاسلام ( ولكن وا أسفا على ذلك النور الذي ضرب بينه وبين أهله بسور له باب ، ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب ، ووا شوقاه إلى اليوم الذي يندك فيه هذا السور الذي حجبهم عن القرآن ) عقيدة الصلب والفداء وثنية اعترف أمامنا كثير من الذين قالوا إنهم نصارى بأن كلا من هذه العقيدة وعقيدة التثليث لا تعقل ، وان العمدة في اثباتهما عندهم النقل عن كتبهم المقدسة ، فلما كانت تلك الكتب ثابتة عندهم وجب أن يقبلوا جميع ما فيها سواء عقل أم لم يعقل . ويقول بعضهم إن كل دين من الأديان فيه عقائد وأخبار يجزم العقل باستحالتها ولكنها تؤخذ بالتسليم ونحن نقول إنه ليس في عقائد الاسلام شيء يحكم العقل باستحالته ، وانما فيه اخبار عن عالم الغيب لا يستقل العقل بمعرفتها لعدم الاطلاع على ذلك العالم ولكنها كلها