الشيخ محمد رشيد رضا
322
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يديه من الرق والعبودية واضطهاد المصريين لهم ، لي الحرية والاستقلال وملك أمرهم ، وكونهم على هذا كله كانوا يخالفونه ويعاندونه حتى فيما يدعوهم اليه من العمل الذي تتم به النعمة عليهم في دنياهم التي هي أكبر همهم ، ليعلم الرسول بهذا ان مكابرة الحق ومعاندة الرسل خلق من أخلاقهم الموروثة عن سلفهم ، فيكون ذلك تسلية له ( ص ) ومزيد عرفان بطبائع الأمم وسنن الاجتماع البشري . وبهذا يظهر حسن نظم الكلام ووجه اتصال لاحقه بسابقة . قال عز وجل : * * * وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ أي واذكر أيها الرسول لبني إسرائيل وسائر الناس الذين تبلغهم دعوة القرآن إذ قال موسى لقومه بعد أن أنقذهم من ظلم فرعون وقومه وأخرجهم من أرض العبودية : اذكروا نعمة اللّه عليكم بالشكر له والطاعة لأن ذلك يوجب المزيد ، وتركه يوجب المؤاخذة والعذاب الشديد : ولفظ نعمة يفيد العموم بإضافته إلى اسم اللّه تعالى ، وقد بين لهم موسى مراده بهذا العموم بذكر ثلاثة أشياء كانت حاصلة بالفعل ، بعد نعمة انقاذهم من المصريين التي هي بمعنى النفي والسلب ، وهذه الأشياء الحاصلة المشهودة هي أعظم أركان النعم ومجامعها التي يندرج فيها ما لا يحصى من الجزئيات الدينية والدنيوية ، وهاك بيانها : ( الأول ) - وهو أشرفها - جعل كثير من الأنبياء فيهم . وهذا يصدق بوجود المبلغ لذلك ووجود أخيه هارون ومن كان قبلهما عليهم السّلام ، وتشعر العبارة مع ذلك بأن النعمة أوسع ، وان عدد هؤلاء الأنبياء كثير أو سيكون كثيرا ، بناء على أن المراد بالجعل بيان الشأن ، لا مجرد الحصول بالفعل في الزمنين الماضي والحال ، وقيل : كان عدد الأنبياء فيهم كثيرا في عهد موسى ، حتى حكى ابن جرير ان السبعين الذي اختارهم موسى ليصعدوا معه الجبل إذ يصعده لمناجاة اللّه تعالى صاروا كلهم أنبياء . والمشهور من معنى النبوة عند أهل الكتاب الاخبار ببعض الأمور الغيبية التي تقع في المستقبل بوحي أو إلهام من اللّه عز وجل . وكان جميع أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى مؤيدين للتوراة عاملين وحاكمين بها حتى المسيح عليهم السّلام . وللنصارى تحكم في اثبات النبوة ونفيها عمن شاؤوا من أنبياء بني إسرائيل حتى أنهم لا يعدون سليمان