الشيخ محمد رشيد رضا
323
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ابن داود نبيا ! ! بل حكيما أي فيلسوفا ، على أن كتبه هي أعلى كتبهم المقدسة علما وحكمة ، فهي أعلى من حكم الأناجيل التي عندهم ، وقد كان هذا مما ينتقده عامتهم على رؤساء كنيستهم ، حتى قال أحد الأذكياء اللبنانيين : ان الكنيسة لم تعترف بنبوة سليمان ليكون منتهى مبالغة المعجبين بحكمه وأمثاله من أهل الفهم ان يرفعوه إلى مرتبة النبوة فيبقى دون المسيح ، وان رؤساء الكنيسة كانوا يخشون ان يقول الناس : انه أحق من المسيح بالألوهية ، إذا هم اعترفوا له بالنبوة . أما علماء المسلمين الذين تكلموا في المفاضلة بين الأنبياء فقد فضلوا المسيح على سليمان فهو عندهم في المرتبة الرابعة بعد محمد وإبراهيم وموسى صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ، وقد تقدم القول في المفاضلة في أواخر تفسير سورة النساء ( الثاني ) جعلهم ملوكا . لولا ما ورد في التفسير المأثور عن النبي ( ص ) والصحابة والتابعين ، لكانت هذه النعمة موضع اشتباه عند المتأخرين الضعفاء في فهم العربية ، لان بني إسرائيل لم يكن فيهم ملوك على عهد موسى وانما كان أول ملوكهم - بالمعنى العرفي لكلمة ملك وملوك - شاول بن قيس ثم داود الذي جمع بين النبوة والملك . وان من يفهم العربية حق الفهم بجزم بأنه ليس المراد انه جعل أولئك المخاطبين رؤساء للأمم والشعوب يسوسونها ويحكمون بينها ، ولا انه جعل بعضهم ملوكا لأنه قال « وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً » ولم يقل : وجعل فيكم ملوكا . كما قال : جعل فيكم أنبياء ، فظاهر هذه العبارة انهم كلهم صاروا ملوكا ، وان أريد « بكل » المجموع لا الجميع ، أي ان معظم رجال الشعب صاروا ملوكا بعد ان كانوا كلهم عبيدا للقبط . بل معنى الملك هنا الحر المالك لأمر نفسه ، وتدبير أمر أهله ، فهو تعظيم لنعمة الحرية والاستقلال ، بعد ذلك الرق والاستعباد . يدل على ذلك التفسير المأثور ، ففي حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا عند ابن أبي حاتم « كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكا » وفي حديث زيد بن أسلم « من كان له بيت وخادم فهو ملك » رواه أبو داود ، ورواه في مراسيله تفسيرا للآية بلفظ « زوجة ومسكن وخادم » وروى ابن جرير مثله عن ابن عباس وعن مجاهد . وعن ابن عباس رواية أخرى ستأني بنصها وقد صححوا سندها . والمرفوع ضعيف السند . والمعنى الجامع لهذه الأقوال ،