الشيخ محمد رشيد رضا

316

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأمته لم يسلموا من محن الدنيا كالذي حصل في وقعة أحد وقتل الحسن والحسين عليهما السّلام ، ونحن نعتقد أن الذين ابتلوا بهذه المحن من أحباء اللّه تعالى . وأجاب الرازي عن هذا الاشكال بثلاثة أجوبة حاصل الأول اننا نعتقد ان النبي ( ص ) وخيار أمته من أحباء اللّه تعالى ولا ندعي أنهم أبناء اللّه تعالى . وحاصل الثاني ان المراد عذاب الآخرة وقد اعترف به اليهود إذ قالوا « لن تمسنا النار الا أياما معدودة » وحاصل الثالث ان المراد به المسخ الذي وقع ببعض اليهود قبل الاسلام أضيف إلى المخاطبين لأنهم من جنسهم . قال الرازي بعد شرح الأجوبة بعبارة أخرى : وهذا الجواب أولى لأنه تعالى لم يكن ليأمر رسوله عليه الصلاة والسّلام أن يحتج عليهم بشيء لم يدخل بعد في الوجود ، فإنهم يقولون لا نسلم أنه تعالى بعذبنا ، بل الأولى ان يحتج عليهم بشيء قد وجد حتى يكون الاستدلال قويا متينا . اه ونحن نقول إن هذا الأخير أضعفها وأنهم لا يعترفون به أيضا ، وانه لا حجة فيه ولا في الثاني على النصارى ، فيكون تسليما لهم أو إقرارا على دعوى انهم أبناء اللّه ، وهم الذين يكثرون هذه الدعوى ويتبجحون بها ، ثم إن التعبير بالمضارع « يُعَذِّبُكُمْ » ينفي ان يكون المراد تعذيبا خاصا بطائفة وقع في الزمن الماضي . وأقوى أجوبته الأول ولكنه لم يفطن لما فيه من القوة ولم يينه بيانا تاما ، على أنه لم يحرر أصل الدعوى فيهتدي إلى تحرير الجواب . والصواب ان هذا الاشكال لا يرد على الاسلام والقرآن ، وإليك البيان الصحيح الذي يتضاءل به حتى يدخل في خبر كان : كان اليهود يعتقدون انهم شعب اللّه الخاص ميزهم لذاتهم على جميع البشر فلا يمكن أن يساويهم شعب آخر عنده وان كان أصح منهم ايمانا وأصلح عملا ، وانهم لا يكونون تابعين لغيرهم في الدين ، فلا يصح ان يتبعوا محمدا ( ص ) لأنه عربي لا إسرائيلي . والفاضل لا يتبع المفضول بزعمهم . ولا يمكن ان يؤاخذهم اللّه على الكفر به لأنهم شعبه الخاص المحبوب ، فهو لا يعاملهم الا معاملة الوالد لأبنائه الأعزاء والمحب لمحبوبه الخاص . واما النصارى فقد أربوا عليهم في الغرور ، وان كان النبي الذي يدعون اتباعه قد جاهد غرور اليهود جهادا عظيما ، فهم يدعون ان المسيح قد فداهم بنفسه وانهم أبناء اللّه بولادة الروح ، والمسيح ابنه الحقيقي ، ويخاطبون