الشيخ محمد رشيد رضا
317
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللّه تعالى دائما بلقب الأب . وقد كانت جميع فرقهم في زمن بعثة النبي ( ص ) أشد من اليهود فسادا وافسادا وفسقا وفجورا وظلما وعداوانا بشهادة مؤرخي الأمم كلها منهم ومن غيرهم ، ومع هذا كله كانوا يدعون أنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، وانهم غير محتاجين إلى اصلاح في دينهم ولا دنياهم ، ولهذا رفضوا ما دعاهم اليه النبي ( ص ) من التوحيد الخالص والفضائل الصحيحة والأعمال الصالحة ، وردوا ما جاءهم به من كون مرضاة اللّه تعالى ومثوبته لا تنالان الا بتزكية النفس وإصلاحها بالتوحيد والعمل . هذا حاصل ما كان عليه اليهود والنصارى من الغرور بدينهم وبأنفسهم وبأنبيائهم الذين تركوا هديهم وضلوا طريقهم ، وقد عبر الكتاب الحكيم عن ذلك هنا بأوجز لفظ واخصره وهو قولهم « نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ » وحاصل ردّه عليهم : انكم من نوع البشر الذي هو من جنس مخلوقات اللّه تعالى ، وانه ليس لكم ولا لغيركم من طوائف البشر امتياز ذاتي خاص ولا نسبة ذاتية اليه تعالى ، لأن جميع خلقه بالنسبة اليه سواء ، وقد مضت سنته في البشر بأن يعذبهم في الدنيا بما كسبت أيديهم ، ويعفو عن كثير من أعمالهم ويغفرها فلا يعجل لهم العذاب عليها . وذلك بحسب مشيئته ، المطابقة لعلمه وعدله وحكمته ، فإذا كان لكم امتياز ذاتي على جميع البشر فلم يعذبكم بذنوبكم في هذه الدنيا كما يعذب غيركم بذنوبهم ؟ وأنتم تعلمون هذا علم اليقين من أنفسكم ومن تاريخكم . والمضارع « يُعَذِّبُكُمْ » هنا لبيان الشأن المستمر في معاملتهم ، فهو يدل على أن هذا التعذيب ثابت في كل زمان متى وقع سببه ، ووجدت علته . والكلام في سنة اللّه في الأمم والشعوب ، وتاريخهم فيه كتاريخ غيرهم قبل البعثة وفي زمنها وبعدها : ما عذبت أمة من الأمم بشيء الا وعذبوا بمثله ، فلو كانوا أبناء اللّه وأحباءه ولو مجازا بحسب ما بيناه بالشواهد من كتبهم ، لما حل بهم ما حل بغيرهم ، أو لم تكن لهم ذنوب يعذبون بها كما قال يوحنا ( 1 يو 3 : 9 ) إذا فقهت هذا ظهر لك ان إشكال الرازي غير وارد أصلا ، فان الكلام في الأمم والشعوب وابطال دعوى ان يكون شعب منها ممتازا عند اللّه بذاته ، لا تجري عليه سننه في سائر خلقه ، والنبي ( ص ) لم يدع أن أمته لها مثل هذا الامتياز ، وان كل من انتمى إليها كان من أبناء اللّه ولا من أحبائه مهما عملوا من الاعمال ، فيقال : لم غلبوا