الشيخ محمد رشيد رضا
315
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أي قل لهم أيها الرسول : إذا كان الامر كما زعمتم فلم يعذبكم اللّه تعالى بذنوبكم في الدنيا كما تعلمون من تاريخكم الماضي وكما ترون في تاريخكم الحاضر . ومن هذا العذاب لليهود ما كان من تخريب الوثنيين لمسجدهم الأكبر ولبلدهم المرة بعد المرة ، ومن إزالة ملكهم من الأرض ، وللنصارى ما اضطهدهم به الأمم وما نكل به بعضهم ببعض . وهو شر من تنكيلهم وتنكيل الوثنيين باليهود . أي ان الأب لا يعذب ابنه والمحب لا يعذب حبيبه ، فلستم إذا أبناء للّه ولا أحباءه ، بل أنتم بشر من جملة من خلق اللّه تعالى ، وهو عز وجل الحكم العدل لا يحابي أحدا ، وانما يغفر لمن يعلم أنه مستحق المغفرة ، ويعذب من يعلم أنه مستحق للعذاب ، فهو يجزيكم بأعمالكم ، كما يجزي سائر البشر أمثالكم ، فارجعوا عن غروركم بأنفسكم وسلفكم وكتبكم ، فإنما العبرة بالايمان الصحيح والاعمال الصالحات ، لا بمن سلف من الاباء والأمهات وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أثبت اللّه تعالى في هذه الآية مثل ما أثبت في التي قبلها من أن له ملك السماوات والأرض وما بين أجرامهما وأجزائهما من المخلوقات ، الا أنه ختم تلك بكونه على كل شيء قديرا ، لان المقام مقام الغرابة في الخلق ، وامتياز بعضه على بعض . وختم هذه ببيان كون المرجع والمصير اليه ، لأن المقام مقام الجزاء على الاعمال وذلك ان السماوات والأرض ومن فيهما وبين عالميهما نسبتها اليه تعالى واحدة ، وهي انه الخالق المالك الرب ذو التصرف المطلق في كل شيء بمقتضى العلم والحكمة ، والعدل والفضل ، وهي المخلوقات المملوكة ، وجميع من يعقل فيها من الانس والجن والملائكة عبيد له لا أبناء ولا بنات ( 19 : 94 إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ) وفي ختمها بقوله « وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ » اشعارا بأنه سيعذبهم في الآخرة على هذا الكفر والغرور والدعاوي الباطلة ، فيعلمون عندما يصيرون اليه انهم عبيد آبقون يجازون ، لا أبناء ولا أحباء يحابون وقد استشكل بعضهم كون تعذيبهم دليلا على بطلان دعواهم أنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، لأنه ان أريد به عذاب الآخرة لا تقوم به الحجة عليهم لانكارهم إياه ، وان أريد به عذاب الدنيا أورد عليه انه غير قادح في ادعائهم لأن النبي ( ص )