الشيخ محمد رشيد رضا

314

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

نحن واللّه أبناء اللّه وأحباؤه ، كقول النصارى . فانزل اللّه فيهم * * * وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ إلى آخر الآية . ومن قرأ كتب اليهود والنصارى رأى فيها لقب « ابن اللّه » قد أطلق على آدم . ( انظر إنجيل لوقا 3 : 38 ) وعلى يعقوب وداود مع لقب البكر ( انظر سفر الخروج 4 : 22 و 23 والمزمور 98 : 26 و 27 ) وكذا على افرام ( انظر نبوة ارمياء 31 : 9 ) وعلى المسيح عليهم السّلام ولكن مع لقب الحبيب فهو تفسير لكلمة ابن . وأطلق مجموعا على الملائكة وعلى المؤمنين الصالحين . وهذا الاستعمال كثير في العهد الجديد . ومنه ما حكاه متى في وعظ المسيح على الجبل ( 5 : 9 طوبى لصانعي السّلام لأنهم أبناء اللّه يدعون ) وقال بولس في رسالته إلى أهل رومية ( 8 : 14 لأن كل الذين ينقادون بروح اللّه فأولئك هم أبناء اللّه ) وجاء في سياق المناظرة بين المسيح واليهود من إنجيل يوحنا ما نصه ( 8 : 41 أنتم تعملون أعمال أبيكم ، فقالوا له اننا لم نولد من زنا لنا أب واحد وهو اللّه 42 فقال لهم يسوع لو كان اللّه أباكم لكنتم تحبونني - إلى أن قال - 44 أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون ان تعملوا ) وفي هذا المعنى ما جاء في الرسالة الأولى من رسالتي يوحنا ( 3 : 9 كل من هو مولود من اللّه لا يفعل خطيئة لان زرعه يثبت فيه ، ولا يستطيع ان يخطئ لأنه مولود من اللّه 10 بهذا أولاد اللّه ظاهرون وأولاد إبليس ) فعلم من هذه النصوص وأشباهها ان لفظ « ابن اللّه » يستعمل في كتب القوم بمعنى حبيب اللّه الذي يعامله اللّه معاملة الأب لابنه من الرحمة والاحسان والتكريم . فعطف أحباء اللّه على أبناء اللّه للتفسير والايضاح ، وانما تحكم النصارى بهذا اللقب فجعلوه بمعنى الابن الحقيقي بالنسبة إلى المسيح وبالمعنى المجازي بالنسبة إلى غيره من الصالحين . ومعنى الابن الحقيقي محال على اللّه تعالى لأنه عبارة عن الولد الذي ينشأ من تلقيح الرجل بمائه لبعض ما في رحم المرأة من البيض . فالمعنى المجازي متعين كما ترى وسنوضحه في تفسير ( وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ) ولما كان ما ذكرناه مؤيدا بالشواهد هو المعنى المراد لأولئك المتبجحين من اليهود والنصارى حسن ردّ اللّه تعالى عليهم بقوله لنبيه محمد ( ص ) :