الشيخ محمد رشيد رضا

313

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

السنة العامة في خلق البشر ، وانه عمل اعمالا غريبة لا تصدر عن عامة البشر ، قال تعالى في رد هذه الشبهة يَخْلُقُ ما يَشاءُ أي لما كان له ملك السماوات والأرض وما بينهما ، كان من المعقول أن يكون خلقه للأشياء تابعا لمشيئته ، فقد يخلق بعض الاحياء من مادة لا توصف بذكورة ولا انوثة كأصول أنواع الحيوان ، ومنها أبو البشر عليه السّلام ، وقد يخلق بعضها من ذكر فقط أو أنثى فقط ، وقد يخلق بعضها بين ذكر وأنثى . ولا يدل شكل الخلق ولا سببه ولا امتياز بعض المخلوقات - كالكهرباء - على بعض على ألوهيتها أو حلول الاله الخالق فيها ، بل هذا لا يعقل ولا يمكن . فامتياز الأرض على عطارد أو زحل بوجود الاحياء فيها من البشر وغيرهم لا يعد دليلا على كون الأرض إلها لذلك الكوكب الذي فضلته بهذه المزية . كذلك سنة اللّه في خلق المسيح ومزاياه لا تدل على كونه إلها أو ربا لمن لم توجد فيهم هذه المزايا ، لان المزايا في الخلق كلها بمشيئة الخالق ، فلا يخرج بها المخلوق عن كونه مخلوقا نسبته إلى خالقه كنسبة سائر المخلوقات اليه تعالى واما الامتياز ببعض الافعال الغريبة فهو معهود من البشر أيضا ، ونقل ذلك عن جميع الأمم والملل ، وقد ادعت الأمم الوثنية لأصحابها الألوهية والربوبية ، وأجمع الأنبياء من بني إسرائيل وغيرهم على توحيد اللّه تعالى وسموا تلك الغرائب بالآيات الإلهية ، وقالوا إن اللّه تعالى قد يؤيد بها أنبياءه ورسله فلماذا خرجتم أيها النصارى عن سنة النبيين والمرسلين ، واتبعتم سنة الوثنيين كقدماء الهنود والمصريين ، الذين جعلوا غرابة خلق مقدسيهم وغرابة بعض افعالهم ، دليلا على ألوهيتهم وربوبيتهم ؟ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فكل ما تعلقت به مشيئته ينفذ بقدرته ، وانما يعد بعض خلقه غريبا بالنسبة إلى علم البشر الناقص لا بالنسبة اليه تعالى . وكذلك غرابة بعض افعالهم ، وهي قد تكون عن علم كسبي يجهله غيرهم ، أو قوة نفسية لم يبلغها سواهم ، أو تأييد رباني لا صنع لهم فيه ولا تأثير . روى ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : أتى رسول اللّه ( ص ) ابن أبي وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلمهم وكلموه ودعاهم إلى اللّه وحذرهم نقمته ، فقالوا : ما تخوّفنا يا محمد ؟ ( تفسير القرآن ) « 40 » ( الجزء السادس )