الشيخ محمد رشيد رضا
28
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المختلفة يصفونه بالعفو ويقولون إنه أهل للمغفرة ، فدعوى الصليبيين ان العفو والمغفرة مما ينافي العدل مردودة غير مسلمة الجزاء والخلاص في الاسلام يتوهم دعاة النصرانية من القياس على مذهبهم ومن الخرافات التي سرت إلى بعض عامة المسلمين ان الاسلام مبني على أن النجاة في الآخرة والسعادة الأبدية فيها انما تكون بمثل ما يسمونه الفداء في عقيدة الصلب ، وان الفرق بين الاسلام والنصرانية إنما هو في الفادي ، فهم يقولون إنه المسيح ونحن نقول إنه محمد ( عليهما الصلاة والسّلام ) ولذلك يشككون عوامّ المسلمين في دينهم ، بما يكتبون من سفسطة الجدل في صحفهم وكتبهم ، وما يقولون في المجالس والمجامع بألسنتهم ، ومداره على قولهم ان المسيح لم يخطئ قط وان نبينا قد أذنب . والمذنب لا يستطيع ان ينقذ من هو مثله من تبعة ذنبه ، وانما يستطيع ذلك من لم يذنب أما نحن المسلمين فلا نرد عليهم هذا بتخطئة هذه القاعدة فقط ، ولا بتعجيزهم في إثبات دعواهم ان المسيح لم يقترف خطيئة بالدليل العقلي ، وكون الدليل النقلي هنا لا يمكن الا إذا فرض ان عددا كثيرا من الناس يعد نقلهم تواترا صحيحا قد لازموا المسيح في كل ساعات حياته ودقائقها فلم يروا منه خطيئة فيها ، - ولم يحصل هذا قط - أو فرض نص صريح من الوحي يخصه بذلك ، وليس عندهم شيء من ذلك يقوم حجة علينا وليس لهم أن يحجونا بما عندنا من القول بعصمة الأنبياء لان هذا - على كونه عاما يعد عندنا لجميع الرسل - من الاحتجاج الذي يؤدي إلى نقض نفسه ، لان اعتقادنا ينقض اعتقادهم واعتقادهم ينقض اعتقادنا ، فالاحتجاج بمثل هذا إذا نفع في إفحام الخصم وإلزامه لا ينفع في إقناعه ، والمراد في هذا المقام الاقناع لا مجرد الغلب في الخصام - ولا نرد عليهم أيضا بأن اثبات الخطيئة على نبينا ( ص ) متعذر عليهم ، وانه لا ينفعهم في هذا المقام المشاغبة بمثل « ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر » لأن الخطيئة التي ننفيها عن محمد والمسيح على حد سواء هي مخالفة دين اللّه