الشيخ محمد رشيد رضا

29

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تعالى بارتكاب ما نهى اللّه عنه أو ترك ما أمر به . والذنب في اللغة كل عمل له تبعة لا تسرّ العامل ولا توافق غرضه ، فهو مأخوذ من ذنب الحيوان . ومثل هذا يقع من جميع الأنبياء . ومثاله من عمل نبينا ( ص ) اذنه لبعض المنافقين في التخلف والقعود عن السفر معه في غزوة تبوك ، وكان اذنه لهم مبنيا على اجتهاد صحيح وهو أنهم إذا خرجوا وهم كارهون ومصرون على نفاقهم يضرون ولا ينفعون كما قال تعالى ( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ) ولكن لو لم يأذن لهم لتبين له الصادق من المعتذرين وعلم الكاذبين منهم . فكان هذا الإذن ذنبا لان له عاقبة مخالفة للمقصد أو للمصلحة ، وهي عدم ذلك التبين والعلم ، فان أولئك الكاذبين في الاعتذار الذي بنوا عليه الاستئذان ما كانوا يريدون الخروج معه ( ص ) مطلقا اذن أو لم يأذن . ولذلك قال اللّه تعالى في هذا الذنب ( عفا اللّه عنك لم أذنت لهم ؟ حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) فمثل هذا - وان سمي ذنبا لغة - لا يعد من الخطايا التي تمنع الانسان من استحقاق ملكوت اللّه ومثوبته في الآخرة ، أو تجعل شفاعته مردودة . على أن في سيرة كثير من صلحاء المسلمين من لم تعرف له ولم تقع منه خطيئة من الخطايا التي يرمي الصليبيون بها الأنبياء والرسل عليهم السّلام - لا نرد على قاعدة هؤلاء بأمثال هذه النواقض لأسسهم ، والهوادم لأبنيتهم ، لأنها ليست عندنا هي موضوع النجاة والسعادة في الآخرة ، فلو فرضنا ان مزاعمهم فيها صحيحة لا يضرنا ذلك شيئا ، ولذلك اختصرنا فيها هنا اعتمادا على بيانها المفصل في مواضعها من التفسير وغيره ، وانما نرد عليهم ببيان عقيدة الاسلام في هذه المسألة ونذكرها هنا بالايجاز لان شرحها قد تقدم مرارا كثيرة فنقول : ان مدار نجاة الانسان في الآخرة من العقاب وفوزه بالنعيم والسعادة الأبدية انما هو على تزكية نفسه وتطهيرها من العقائد الوثنية الباطلة والاخلاق الفاسدة حتى تكون متخلية عن الأباطيل والشرور ، متحلية بالفضائل وعمل البر والخير ، ومدار الهلاك على ضد ذلك . قال اللّه تعالى في سورة الشمس ( وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) فاللّه تعالى جعل كل