الشيخ محمد رشيد رضا
297
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تصديقه لان الذي يقصد ان يغش العالم لا يكون روحيا ولا يتصل إلى علو وعمق الافكار والصلوات الموجودة فيه . وإذا قابلناه بمؤلفات الآباء رأينا بينه وبينها بونا عظيما حتى نضطر للحكم انه لم يكن منهم من كان قادرا على تأليف كهذا ، بل لم يكن بين التلاميذ من يقدر عليه الا يوحنا ، ويوحنا ذاته لا يستطيع تأليفه بدون إلهام من ربه » اه أقول إن من عجائب البشر ان يقول مثل هذا القول أو ينقله معتمدا له عالم طبيب كالدكتور بوست ! فإنه كلام لا يخفى بطلانه وتهافته على الصبيان . ولا أعقل له تعليلا الا ان يكون تصنعا وغشا لإرضاء عامة النصارى لا لارضاء اعتقاده ووجدانه ، أو يكون التقليد الديني من الصغر قد ران على قلب الكاتب فسلبه عقله واستقلاله وفهمه في كل ما يتعلق بأمر دينه . وإليك البيان بالايجاز ان الدكتور بوست من أعلم الاوربيين الذين خدموا دينهم في سورية وأوسعهم اطلاعا ، وهو يلخص في قاموسه هذا أقوى ما بسطه علماء اللاهوت في اثبات دينهم وكتبهم ورد اعتراضات العلماء عليها . فإذا كان هذا منتهى شوطهم في اثبات إنجيل يوحنا الذي هو عمدتهم في عقيدة تأليه المسيح ، فما هو الظن بكلام المؤرخين الأحرار والعلماء المستقلين في ابطال هذا الإنجيل ؟ ابتدأ رده على منكري هذا الإنجيل بأن بطرس أشار إلى آية منه في رسالته الثانية . فهذا أقوى برهان عندهم على كون هذا الإنجيل كتب في العصر الأول فأول ما نقوله في رد هذا الدليل الوهمي ان رسالة بطرس الثانية كتبت في بابل سنة 64 و 68 كما قاله صاحب كتاب ( مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين ) وإنجيل يوحنا كتب سنة 95 ا و 98 على ما اعتمده بوست وصاحب هذا الكتاب وسائر علماء طائفتهم ( البروتستانت ) فهو قد الف بعد كتابة رسالة بطرس بثلاثين سنة أو أكثر على رأيهم ، فإذا وافقها في شيء فأول ما يخطر في بال العاقل انه نقله عنها وان ألف بعدها بعدة قرون ، فكيف يكون ذاك دليلا على صحته ؟ ولو لم يكن في رد هذه الشبهة الواهية الا احتمال نقل المتأخر وهو مؤلف إنجيل يوحنا عن المتقدم وهو بطرس لكفى ، وهم ( تفسير القرآن ) « 38 » ( الجزء السادس )