الشيخ محمد رشيد رضا
27
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العقل وجزمه بالشيء والعقل لا يستطيع ان يدرك ذلك ، والذين يقولون انهم مؤمنون بها يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم تقليدا لمن لقنهم ذلك . فان سمينا مثل هذا القول إيمانا ، نقول إن أكثر البشر لا يقولونه بل يردونه بالدلائل العقلية ، ومنهم من يرده أيضا بالدلائل النقلية ، من دين ثبتت أصوله عندهم بالأدلة العقلية ، ومنهم من لم يعلموا بهذه القصة ، ومنهم من يقول بمثلها لآلهة أخرى . فإذا عذبهم اللّه تعالى في الآخرة ولم يدخلهم ملكوته - كما تدعي النصارى - لا يكون رحيما على قاعدة دعاة الصلب والصليب ، فكيف جمع بذلك بين العدل والرحمة ؟ ( 4 ) يلزم من هذه القصة شيء أعظم من عجز الخالق ( تعالى وتقدس ) عن إتمام مراده بالجمع بين عدله ورحمته ، وهو انتفاء كل من العدل والرحمة في صلب المسيح لأنه عذبه من حيث هو بشر وهو لا يستحق العذاب لأنه لم يذنب قط ، فتعذيبه بالصلب والطعن بالحراب - على ما زعموا - لا يصدر من عادل ولا من رحيم بالأحرى . فكيف يعقل ان يكون الخالق غير عادل ولا رحيم ، أو ان يكون عادلا رحيما فيخلق خلقا يوقعه في ورطة الوقوع في انتفاء احدى هاتين الصفتين ، فيحاول الجمع بينهما فيفقدهما معا ؟ ؟ ( 5 ) إذا كان كل من يقول بهذه العقيدة أو القصة ينجو من عذاب الآخرة كيفما كانت أخلاقه وأعماله ، لزم من ذلك أن يكون أهلها إباحيين ، وان يكون الشرير المبطل الذي يعتدي على أموال الناس وأنفسهم وأعراضهم ويفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل ، من أهل الملكوت الأعلى لا يعذب على شروره وخطيئاته ولا يجازي عليها بشيء . فله ان يفعل في هذه الدنيا ما شاء هواه ، وهو آمن من عذاب اللّه ، - وناهيك بهذا مفسدا للبشر - وإذا كان يعذب على شروره وخطيئاته كغيره من غير الصليبيين فما هي مزية هذه العقيدة ؟ وإذا كان له امتياز عند اللّه تعالى في نفس الجزاء فأين العدل الإلهي ؟ ( 6 ) ما رأينا أحدا من العقلاء ولا من علماء الشرائع والقوانين يقول إن عفو الانسان عمن يذنب اليه ، أو عفو السيد عن عبده الذي يعصيه ، ينافي العدل والكمال ، بل يعدون العفو من أعظم الفضائل ، وترى المؤمنين باللّه من الأمم