الشيخ محمد رشيد رضا

284

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اللّه إذ انزل عليهم ، ومرادهما الحظ منه أي نسوا طائفة من أصل الكتاب ، وروى ابن مبارك وأحمد في الزهد عن ابن مسعود أنه قال في تفسير الآية : اني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها . يعلل بذلك ما أفادته الآية من نسيانهم لبعض ما ذكرهم اللّه به من كتابه . وفسر النسيان بعض العلماء بترك العمل ، كأن هؤلاء استبعدوا نسيان شيء من أصل كتاب القوم وإضاعته ، لتوهمهم انه كان متواترا . والحق انهم أضاعوا كتابهم وفقدوه عندما أحرق البابليون هيكلهم وخربوا عاصمتهم ، وسبوا من أبقى عليه السيف منهم ، فلما عادت إليهم الحرية في الجملة جمعوا ما كانوا حفظوه من التوراة ووعوه بالعمل به ، أو ذكروه في بعض مكتوباتهم لنحو الاستشهاد به ، ونسوا الباقي . وقد حققنا هذا المعنى في تفسير الآية الثانية من آل عمران ، وكذا ( 3 : 22 - 4 : 44 - 50 أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ) . * ولعمري ان هذه الجملة « فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ » وتلك الجملة « أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ » * لمن أعظم معجزات القرآن التي أثبتها التاريخ لنا بعد بعثة النبي ( ص ) بعدة قرون ، ولم يكن يخطر على بال أحد من العرب في زمن البعثة وهم أميون ان اليهود فقدوا كتابهم الذي هو أصل دينهم ثم كتبه لهم كاتب منهم نشأ في السبي والاسربين الوثنيين بعد عدة قرون ، فنقص منه وزاد فيه ، ولم تعرف المصادر التي جمع منها ما كتبه معرفة صحيحة . بل كان هذا مما خفي عن علماء المسلمين عدة قرون بعد انتشار العلم فيهم . أثبت اللّه تعالى في هذه الآية ان اليهود يحرفون كلم كتابهم عن مواضعه ، وانهم نسوا حظا مما ذكروا به ، وفي سورتي آل عمران والنساء ( 3 : 22 و 4 : 44 و 50 ) انهم أوتوا نصيبا من الكتاب ، وفي ( 4 : 48 ) انهم يحرفون الكلم عن مواضعه . ومفهوم قوله « أُوتُوا نَصِيباً » * انهم نسوا نصيبا آخر وهو ما صرح به هنا . وذهب بعض المفسرين إلى أن المنسي هو البشارة بالنبي ( ص ) وبيان صفاته ، وهو لا يصح لأنهم لو نسوها كلها لما صح قوله في علمائهم انهم « يعرفونه كما يعرفون أبناءهم . وهو ما صرح به واقسم عليه من آمن منهم . وحمله بعضهم على ترك العمل به ، وهو مجاز من إطلاق اللفظ وإرادة لازمه ، والأصل في الكلام الحقيقة وانما يصار إلى المجاز