الشيخ محمد رشيد رضا
285
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عند امتناع ارادتها ، ولا امتناع هنا . ومن دلائل إرادة الحقيقة آية « أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ » * فمعنى ما هناك وما هنا ان أهل الكتاب الذين كانوا في عهد النبي ( ص ) - ومثلهم من قبلهم فصاعدا إلى زمن السبي وخراب بيت المقدس الذي فقدت فيه التوراة ومن بعدهم إلى اليوم وإلى ما شاء اللّه - أوتوا نصيبا من الكتاب ونسوا نصيبا منه بسبب فقد الكتاب وعدم حفظهم له كله في الصدور . ثم إن الذي أوتوه منه وبقي لهم ، ما كانوا يعملون به كما يجب ولا يقيمون ما يعملون به منه كما ينبغي ، بل كانوا يحرفونه عن مواضعه بالليّ والتأويل ، على أنه وصل إليهم محرفا لفظه لأنه نقل من قراطيس وصحف متفرقة لا ثقة بأهلها ولا بضبط ما فيها . وسنذكر تتمة هذا البحث في الكلام على نسيان النصارى حظا مما ذكروا به وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ الخائنة هنا الخيانة كما روي عن قتادة . والعرب تعبر بصيغة الفاعل عن المصدر أحيانا كما تعكس ، فاستعملت القائلة بمعنى القيلولة ، والخاطئة بمعنى الخطيئة . أو هي وصف لمحذوف اما مذكر والهاء للمبالغة كما قالوا راوية لكثير الرواية ، وداعية لمن تجرد للدعوة إلى الشيء . وإما مؤنث بتقدير نفس أو فعلة أو فرقة خائنة ، والمعنى انك أيها الرسول لا تزال تطلع من هؤلاء اليهود المجاورين لك على خيانة بعد خيانة ما داموا مجاورين أو معاملين لك في الحجاز ، فلا تحسبن انك قد أمنت مكرهم وكيدهم بتأمينك إياهم على أنفسهم ، فإنهم قوم لا وفاء لهم ولا أمان ، وقد نقضوا عهد اللّه وميثاقه من قبل ، فكيف يرجى منهم الوفاء لك بعد ذلك النقض وما ترتب عليه من قساوة قلوبهم وقتلهم لأنبيائهم ؟ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ كعبد اللّه بن سلام واخوانه الذين اسلموا فهؤلاء صادقون في اسلامهم لا يقصدون خيانة ولا خداعا فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فاعف عما سلف من هؤلاء القليل واصفح عن مسيئهم وعاملهم بالاحسان الذي يحبه اللّه تعالى ، وأنت أيها الرسول أحق الناس بتحري ما يحبه اللّه ، وهذا رأي أبي مسلم . أو فاعف عما سلف من جميعهم واضرب عنه صفحا ، إيثارا للاحسان والفضل ، على ما يقتضيه العدل ، قيل كان هذا أمرا مطلقا ثم نسخ بآية التوبة ( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) - الآية - وروي هذا عن قتادة . ويرده قتال النبي ( ص ) لليهود قبل نزول