الشيخ محمد رشيد رضا
26
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فلما سمع المسلمون الحاضرون هذا الجواب صاحوا : لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه . وانصرفوا . أما ما يؤخذ من هذه العقيدة وما يترتب عليها فدونكه بالاختصار : ( ما يرد على عقيدة الصلب ) ( 1 ) لا يمكن ان يقبل هذه القصة من يؤمن بالدليل العقلي أن خالق العالم لا بد ان يكون بكل شيء عليما ، وفي كل صنعه حكيما ، لأنها تستلزم الجهل والبداء على الباري عز وجل ، كأنه حين خلق آدم ما كان يعلم ما يكون عليه أمره ، وحين عصى ما كان يعلم ما يقتضيه العدل والرحمة في شأنه ، حتى اهتدى إلى ذلك بعد ألوف من السنين مرت على خلقه ، كان فيها جاهلا كيف يجمع بين تينك الصفتين من صفاته ، وواقعا في ورطة التناقض بينهما ، ولكن قد يقبلها من يشترط في الدين عندهم ان لا يتفق مع العقل ، وان يأخذ صاحبه بكل ما يسند إلى من نسب إليهم عمل العجائب ، ويقول آمنت به وان لم يدركه ، ولم تذعن له نفسه ، ومن ينقلون في أول كتاب من كتبهم الدينية ( سفر التكوين ) هذه الجملة ( 6 : 6 فندم الرب انه عمل الانسان في الأرض وتأسف في قلبه ) تعالى اللّه عن ذلك كله علوا كبيرا ( 2 ) يلزم من يقبل هذه القصة ان يسلم ما يحيله كل عقل مستقل من أن خالق الكون يمكن ان يحل في رحم امرأة في هذه الأرض التي نسبتها إلى سائر ملكه أقل من نسبة الذرة إليها وإلى سمواتها التي ترى منها ، ثم يكون بشرا يأكل ويشرب ويتعب ويعتريه غير ذلك مما يعتري البشر ، ثم يأخذه أعداؤه بالقهر والإهانة فيصلبوه مع اللصوص ويجعلوه ملعونا بمقتضى حكم كتابه لبعض رسله ( تعالى اللّه عن ذلك كله علوا كبيرا ) ( 3 ) تقتضي هذه القصة ان يكون الخالق العليم الحكيم قد أراد شيئا بعد التفكر فيه ألوفا من السنين فلم يتم له ذلك الشيء ، ذلك أن البشر لم يخلصوا وينجوا بوقوع الصلب من العذاب ، فإنهم يقولون إن خلاصهم متوقف على الايمان بهذه القصة وهم لم يؤمنوا بها - لنا ان نقول إنه لم يؤمن بها أحد قط لأن الايمان هو تصديق