الشيخ محمد رشيد رضا
276
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الجزاء على الايمان والعمل المضاعف بفضل اللّه ورحمته أضعافا كثيرة . ولما بين الوعد اقتضى أن يبين الوعيد كما هي سنة القرآن في مثل هذا المقام فقال : * * * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ المراد بالكفر هنا الكفر باللّه وبرسله ولا فرق فيه بين الكفر بجميع الرسل ، والكفر ببعض والايمان ببعض كما تقدم في سورة النساء ( 4 : 150 ) لان الكفر بأي رسول منهم لا يكون ممن يعقل معنى الرسالة الا عنادا واستكبارا عن طاعته تعالى كما بيناه في تفسير تلك الآية . وآيات اللّه قسمان آياته المنزلة على رسوله ، وآياته التي أقامها في الأنفس والآفاق للدلالة على وحدانيته وكماله وتنزيهه ، وعلى صدق رسله فيما يبلغون عنه . فهؤلاء الكفار المكذبون هم أصحاب الجحيم أي دار العذاب ، والجحيم النار العظيمة كما يؤخذ من قوله حكاية عن قوم إبراهيم صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ( قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم ) ومعلوم من الآيات الأخرى انهم جعلوا في ذلك البنيان نارا عظيمة . وهذا هو الجزاء على الكفر والتكذيب بصرف النظر عن أعمال الكافرين المكذبين ، ولا ينفع مع مثل هذا الكفر والتكذيب عمل ، فان افساده للأرواح وتدسيته للنفوس لا يمحوها عمل آخر من أعمال الخير * وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر ؟ * * * * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ روى غير واحد ان الآية نزلت في رجل همّ بقتل النبي ( ص ) ارسله قومه لذلك وكان بيده السيف وليس مع النبي ( ص ) سلاح وكان منفردا . وأقوى هذه الروايات ما صححه الحاكم من حديث جابر وهي ان الرجل من محارب واسمه غورث بن الحارث ( قال ) قام على رأس رسول ( ص ) وقال : من يمنعك ؟ قال « اللّه » فوقع السيف من يده فأخذه النبي ( ص ) وقال « من يمنعك ؟ » قال : كن خير آخذ . قال « تشهد أن لا إله الا اللّه واني رسول اللّه » قال : أعاهدك ان لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك . فخلى سبيله . فجاء إلى قومه وقال جئتكم من عند خير الناس . وفي غير هذه الرواية ان السيف الذي كان بيد الأعرابي كان سيف النبي ( ص ) علقه في شجرة وقت الراحة فأخذه الرجل وجعل يهزه ويهم بقتل النبي ( ص ) فيكبته اللّه تعالى . وروي آخرون انها نزلت في قصة النبي ( ص ) مع بني النضير إذ