الشيخ محمد رشيد رضا

277

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ذهب إليهم ومعه أبو بكر وعمر وعلي ( رض ) يطلبون منهم الإعانة على قتل الرجلين الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري منصرفه من بئر معونة وكان معهما أمان من النبي ( ص ) لم يعلم به وقومهما محاربون . وكان النبي ( ص ) عاهد بني النضير على أن لا يحاربوه وان يعينوه على الديات . فلما طلب منهم ذلك وهو بينهم اظهروا له القبول وقالوا اقعد حتى نجمع لك ، وفي رواية قالوا : نعم يا أبا القاسم قد آن لك ان تأتينا وتسألنا حاجة اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا . فلما جلس بجانب جدار دار لهم وجدوا ان الفرصة سنحت للغدر به ، وقال لهم حيي بن اخطب : لا ترونه أقرب منه الآن اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه ولا ترون شرا أبدا . فهموا ان يطرحوا عليه صخرة وفي رواية رحى عظيمة . وانما اعتلوا بصنع الطعام ليكون لهم فيه وقت ينقلون الصخرة أو الرحى إلى سطح الدار . ولا شك في أنهم كانوا يريدون قتل من معه أيضا . وقيل كان معهم عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف أيضا . وقد أعلم جبريل النبي ( ص ) بذلك فانطلق وتركهم ، ونزلت الآية في ذلك . وليس المراد أنها نزلت يومئذ وانما المراد انها نزلت مذكرة بهذه القصة ، فان السورة نزلت عام حجة الوداع وذلك بعد غزوة بني النضير التي كانت في أوائل السنة الرابعة ، وقيل قبل ذلك . وعلى هذا يجوز أن تكون الآية مذكرة بهذه الحادثة وبحادثة المحاربي وأمثالهما من وقائع الاعتداء التي كانت كثيرة حتى بعد قوة الاسلام بكثرة المسلمين ، دع ما كان يقع في أول الاسلام من إيذاء المشركين وعدوانهم ، فهو سبحانه يذكر المؤمنين بذلك كله . والمنة له جل جلاله في ذلك ليست قاصرة على من وقعت لهم تلك الوقائع من النبي ( ص ) والمؤمنين ، بل هي منة عامة يجب ان يشكرها له عز وجل كل مؤمن إلى يوم القيامة ، لأن حفظه لأولئك السلف الصالحين هو عين حفظه لهذا الدين القويم ، فالنبي ( ص ) قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ، وأصحابه هم الذين تلقوها عنها بالقبول وأدوها لمن بعدهم بالقول والعمل . ومن فوائد هذا التذكير للمتأخرين ترغيبهم في التأسي بسلفهم في القيام بما جاء به الدين من الحق والعدل والبر والاحسان ، واحتمال الجهد والصبر على المشاق في هذه السبيل وهي سبيل اللّه ، وهذا هو المعنى العام للجهاد في سبيل اللّه