الشيخ محمد رشيد رضا
263
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مجالسهم ، ويشعر هو في نفسه بالضعة والهوان ، ومن دقق النظر في طبائع النفوس وأخلاق البشر رأى بين طهارة الظاهر وطهارة الباطن ، أو طهارة الجسد واللباس وطهارة النفس وكرامتها - ارتباطا وتلازما ، والطهارة في الآية تشمل الامرين معا كما تقدم ، وكل منهما يكون عونا للآخر ، كما أن التنطع والاسراف في أي واحدة منهما يشغل عن الأخرى . وهذا هو سبب عدم عناية بعض الزهاد والعباد بنظافة الظاهر ، وعدم عناية الموسوسين المتنطعين في نظافة الظاهر بنظافة الباطن ، والاسلام وسط بينهما ، يأمر بالجمع بين الامرين منهما ، وان اشتبه ذلك على بعض المحققين حتى هونوا أمر نظافة الظاهر في بعض كتبهم مع ذكرهم لادلتها في تلك الكتب ، واللّه تعالى يقول ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) ولأجل هذا قال رسول اللّه ( ص ) « الطهور شطر الايمان » رواه أحمد ومسلم والترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وله تتمة . وذلك ان الانسان مركب من جسد ونفس وكماله انما يكون بنظافة بدنه وتزكية نفسه ، فالطهور الحسي هو الشطر الأول الخاص بالجسد ، وتزكية النفس بسائر العبادات هو الشطر الثاني ، وبكلتيهما يكمل الايمان بالاعمال المترتبة عليه . ويؤيد ذلك ما ورد من تأكيد الامر بالغسل يوم الجمعة والطيب ولبس الثياب النظيفة ، لأنه يوم عيد الأسبوع يجتمع الناس فيه على عبادة اللّه تعالى فيطلب فيه ما يطلب في عيدي السنة . وورد في أسباب الامر بالغسل فيه خاصة ان بعض الصحابة كانوا يتركون فيه أعمالهم قبيل وقت الصلاة فتشم رائحة العرق منهم ولا تكون أبدانهم نظيفة ، وفي بعض هذه الروايات انهم كانوا يلبسون الصوف فإذا عرقوا علت رائحته ، حتى شمها النبي ( ص ) مرة وهو يخطب ، فكان يأمرهم بالغسل والطيب والثياب النظيفه لأجل هذا ، رواه ابن جرير وغيره . وقد روى مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من عدة طرق ان النبي ( ص ) قال « غسل الجمعة واجب على كل محتلم » أي بالغ مكلف . وحكى ابن حزم القول بوجوب غسل الجمعة عن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمرو بن سليم وعطاء وكعب والمسيب بن رافع وسفيان