الشيخ محمد رشيد رضا

262

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( الفائدة الثانية من فوائد الطهارة الذاتية ) ما أشرنا اليه من كونها ركن الصحة البدنية ، وبيان ذلك ان الوسخ والقذارة مجلبة الأمراض والادواء الكثيرة كما هو ثابت في الطب ، ولذلك نرى الأطباء ورجال الحكومات الحضرية يشددون في أيام الأوبئة والأمراض المعدية - بحسب سنة اللّه تعالى في الأسباب - في الامر بالمبالغة في النظافة . وجدير بالمسلمين أن يكونوا أصح الناس أجسادا ، وأقلهم أدواءا وأمراضا ، لان دينهم مبني على المبالغة في نظافة الأبدان والثياب والأمكنة ، فإزالة النجاسات والأقذار التي تولد الأمراض من فروض دينهم ، وزاد عليها ايجاب تعهد أطرافهم بالغسل كل بوم مرة أو مرارا إذ ناطه الشارع بأسباب تقع كل يوم ، وتعاهد أبدانهم كلها بالغسل كل عدة أيام مرة ، فإذا هم أدّوا ما وجب عليهم من ذلك تنتفي أسباب تولد جراثيم الأمراض عندهم . ومن تأمل تأكيد سنة السواك وعرف ما يقاسيه الألوف والملايين من الناس من أمراض الأسنان كان له بذلك أكبر عبرة . ومن دقائق موافقة السنة في الوضوء لقوانين الصحة غير تقديم السواك عليه تأكيد البدء بغسل الكفين ثلاث مرات ، وهذا ثابت في كل وضوء فهو غير الامر بغسلهما لمن قام من النوم ، ذلك بأن الكفين اللتين تزاول بهما الاعمال يعلق بهما من الأوساخ الضارة وغير الضارة ما لا يعلق بسواهما ، فإذا لم يبدأ بغسلهما يتحلل ما يعلق بهما ، فيقع في الماء الذي به يتمضمض المتوضئ ويستنشق ويغسل وجهه وعينيه ، فلا يأمن ان يصيبه من ذلك ضرر مع كونه ينافي النظافة المطلوبة . ومن حكمة تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل جميع الأعضاء اختبار طعم الماء وريحه فقد يجد فيه تغيرا يقتضي ترك الوضوء به . ( الفائدة الثالثة من فوائد الطهارة الذاتية ) تكريم المسلم نفسه في نفسه وفي أهله وقومه الذين يعيش معهم ، كما يكرمها ويزبنها لأجل غشيان بيوت اللّه تعالى للعبادة بهداية قوله تعالى ( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) ومن كان نظيف البدن والثياب كان أهلا لحضور كل اجتماع وللقاء فضلاء الناس وشرفائهم ، ويتبع ذلك أنه يرى نفسه أهلا لكل كرامة يكرم بها الناس ، وأما من يعتاد الوسخ والقذارة فإنه يكون محتقرا عند كرام الناس لا يعدونه أهلا لان يلقاهم ويحضر