الشيخ محمد رشيد رضا

261

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بعض الأحيان ، وحدوث اللذة عبارة عن تنبه أو تهيج في العصب يعقبه فتور ما بمقتضى سنة رد الفعل ، والوضوء يزيل هذا الفتور الذي يصرف النفس باللذة الجسدية عن اللذة الروحية والعقلية ، ولهذا اشترط بعض من قال بنقض الوضوء بمس ما ذكر أن يكون بلذة ، واكتفى بعضهم بكونه مظنة اللذة . اما إذا بلغ الانسان من هذه اللذة الجسدية غايتها بالوقاع أو الانزال فيكون ذلك منتهى تهيج المجموع العصبي الذي يعقبه بسنة رد الفعل أشد الفتور والاسترخاء والكسل ، وضعف الاستعداد للذة الروحية بمناجاة اللّه وذكره ، ولا يزيل ذلك الا غسل البدن كله فلذلك وجب الغسل عقب ذلك . واشترط بعضهم في الانزال اللذة ، ويحصل نحو هذا الضعف والفتور للمرأة بسببين آخرين وهما الحيض والنفاس فشرع لها الغسل عقبهما كما شرع لها الغسل من الجنابة كالرجل . والظاهر أن سبب ما ورد في السنة من الامر بالوضوء من اكل ما مسته النار كله هو ما فيه من اللذة ، وخص منها لحم الإبل لأنهم كانوا يستطيبونه أو لأنه يستثقل على المعدة فيضعف النشاط عقب اكله ، ثم خفف النبي ( ص ) عن الأمة في ذلك واكتفى بالحدث الذي هو غاية الاكل عن المبدإ كما هو مذهب الجماهير ، ومن زال عقله بمرض عصبي أو غيره كالاغماء والسكر وتناول بعض المخدرات والأدوية لا ينشط بعد افاقته الا إذا أمس الماء بدنه بوضوء أو غسل . وانني أرى ان هذا الدخان ( التبغ والتنباك ) الذي فتن به الناس في هذه الأزمنة لو كان في زمن الشارع لأوجب الوضوء منه ان لم يحرمه تحريما ، ويقرب من الاغماء ونحوه النوم ، ومهما اختلف الفقهاء في نقض الوضوء به هل هو لذاته أو لكونه مظنة لشيء آخر ؟ وهل ينقض مطلقا أو يشترط فيه الكثرة أو عدم تمكن المقعدة من الأرض ؟ فالجماهير على وجوب الوضوء عقب النوم المعتاد واعلم أن هذه الفائدة تحصل بالماء دون غيره من المائعات حتى ما يزيل الوسخ أكثر من الماء كالكحول ، فلا تحصل عبادة الغسل بغيره لا نعاشه وكونه أصل الاحياء كلها ، وهذا الذي تعبر عنه الصوفية بتقوية الروحانية للعبادة وهو ما يدل عليه قوله تعالى « فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا » الآية . ولا ينافي روحانية المائية المادة العطرة التي تقطر من الورد وغيره بل تزيد المتطهر به طهارة وطيبا وروحيانية . ومادة الماء معروفة