الشيخ محمد رشيد رضا
246
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالهجرة في عهد النبي ( ص ) وكالتمكن من إقامة الدين والاهتداء به بهجرة المسلم في هذا الزمان من مكان لا حرية له في دينه فيه إلى غيره . وقل مثل هذا في الوضوء وحكمته التي شرع لأجلها والصلاة وحكمتها والحج وحكمته ، فكما يهاجر بعض الناس لأجل الدين في الظاهر ولأجل التجارة أو الزواج أو غير ذلك من أغراض الدنيا في الباطن ، كذلك يسافر بعض الناس إلى الحج لأجل التجارة والكسب أو غير ذلك من أغراض الدنيا فقط ، ومنها الرياء والسمعة ، وإذا كان في الناس من يصلي رياء وسمعة ومنهم من يصلي لموافقة من يعيش معهم في عاداتهم كما يوافقهم في الزيّ والطعام والشراب ، ففيهم من يصلي ابتغاء مرضاة اللّه والاستعانة بمناجاته وذكره على تهذيب نفسه ونهيها عن الفحشاء والمنكر ، وكل منهم ينوي النية الطبيعية وهي قصد أعمال الصلاة عند فعلها ، إذ لا تحصل هذه الصلاة الا بهذا القصد فظهر من هذا ان النية الطبيعية التي هي قصد الشيء عند فعله ضرورية لا معنى لفرضيتها وعدها من أركان الصلاة ، وان النية الواجبة في جميع الاعمال المشار إليها في الحديث هي النية بالمعنى الآخر الذي شرحناه ، وبه يتحقق الاخلاص الذي هو روح العبادة وينتفي الرياء الذي هو شعبة من الشرك . ومن لاحظ له من هذه النية لاحظ له من عبادة اللّه تعالى ، وما يأتيه من صورة العبادة لا يقبله اللّه منه في الآخرة ، لأنه لا تصلح به حاله ولا تتزكى به نفسه في الدنيا ، وان أنكر هذا الجسمانيون الجامدون الذين جعلوا الدين عبارة عن حركات لسانية وبدنية لا علاقة لها بالقلب ، ولا فائدة لها في تزكية النفس ، فتراهم من أشد خلق اللّه تنطعا في ظواهر العبادة وأشدهم انسلاخا من روحها وسرها وحكمتها ، وجعلوها حرجا وعسرا خلافا لما قاله اللّه تعالى . يتنطعون في الطهارة ، وقد علا أجسادهم وثيابهم الوسخ والسناخة ، ويتنطعون في تجويد القراءة وحركات الأعضاء في الصلوات ، ولا ينتهون عن الفواحش والمنكرات ومن العجائب انهم جهلوا حقيقة النية المشروعة التي هي من أعمال القلب المحضة وابتدعوا كلمات يسمونها النية اللفظية لم يأذن بها اللّه ولا رسوله ولا عرفت في سنة ولا عن أحد من السلف ، وقد غلوا في التنطع بها حتى أنهم يؤذون المصلين بأصواتهم ، ومنهم الموسوسون الذين يكررون هذه الأقوال ويرفعون بها أصواتهم :