الشيخ محمد رشيد رضا

245

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

راهويه ، واستدلوا على فرضيتها بحديث « انما الاعمال بالنية وانما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر اليه » رواه الجماعة كلهم من حديث عمر . واستدل عليه بعضهم بآية الوضوء نفسها لأن ترتيب أعمال الوضوء على القيام إلى الصلاة يدل على أن هذه الاعمال لأجل الصلاة وذلك لا يكون الا بالنية . وقد عرف الشافعية النية بأنها قصد الشيء مقترنا بفعله ، واشترطوا لتحققها وصحتها عدة شروط . وقال البيضاوي : النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا ، والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضاء اللّه وامتثال حكمه . ولهم في تعريفها أقوال أخرى وهذا أحسن ما رأيناه لهم فيها لأنه جامع للمعنى الطبعي والمعنى الشرعي ذلك أن النية نيتان : نية شرعية وسيأتي معناها ، ونية طبيعية وهي القصد الذي يتميز به فعل المختار الشاعر بفعله عن فعل المضطر والذاهل الذي تشبه حركته حركة النائم ، وهذا المعنى للنية ضروري في تحقق الفعل الاختياري فلا معنى للقول بوجوبه وافتراضه ، وقد يظهر القول بعده شرطا ليخرج به ما يقع للمحدث من غسل أطرافه لنحو الابتراد - وناهيك إذا غسلها بغير الترتيب المأثور - فإذا أراد الصلاة بعد ذلك يجب عليه الوضوء لها ، لأن عمله السابق لم يكن امتثالا لما أمر اللّه به وجعله شرطا لها . وليس هذا هو المراد من النية بالحديث ، وانما المراد المعنى الثاني للنية وهو الغرض الباعث على الفعل الاختياري وهو ابتغاء مرضاة اللّه تعالى باتباع ما شرعه والاتيان به على الوجه الذي شرعه لأجله ، وهذا هو الإخلاص أو يلزم منه الاخلاص ، أي جعل العبادة خالصة من شوائب الرياء والأهواء لا غرض منها الا ما ذكر من التحقق بها على وجهها ، وابتغاء مرضاة اللّه تعالى فيها . كل من يهاجر يقصد الهجرة قصدا مقترنا بالفعل ، وكل من يتوضأ يقصد الوضوء عند الشروع فيه ، وكل من يصلي يقصد الاتيان باعمال الصلاة عند الشروع فيها ، وكل من يحرم بالحج يقصد الاتيان بمناسكه ، وما كل من يتلبس بهذه العبادات يقصد بها مرضاة اللّه تعالى بتحصيل الغرض منها كنصر اللّه ورسوله وإقامة دينه