الشيخ محمد رشيد رضا
22
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أحد من أهل الكتاب يؤمن بعيسى قبل موت عيسى وهذا مبني على القول بأن عيسى لما يمت وانه رفع إلى السماء قبل وفاته وهم الذين أولوا قوله تعالى « إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ » وهم على هذا يحتاجون إلى تأويل النفي العام هنا بتخصيصه بمن يكون منهم حيا عند نزوله فيقولون : المعنى وما من أحد من أهل الكتاب الذين ينزل المسيح من السماء إلى الأرض وهم احياء الا ليؤمنن به ويتبعنه . والمتبادر من الآية المعنى الأول وهذا التخصيص لا دليل عليه وهو مبني على شيء لا نص عليه في القرآن حتى يكون قرينة له . والاخبار التي وردت فيه لم ترد مفسرة للآية اما المعنى الأول الذي هو الظاهر المتبادر من النظم البليغ فيؤيده ما ورد من اطلاع الناس قبل موتهم على منازلهم من الآخرة ومن كونهم يبشرون برضوان اللّه وكرامته أو بعذابه وعقوبته . ففي حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين ان المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان اللّه وكرامته ، وان الكافر إذا حضر ( بضم الحاء أي حضره الموت ) بشر بعذاب اللّه وعقوبته . وروى احمد والنسائي من حديث أنس وغيرهما من حديث عبادة بن الصامت وعن عائشة زيادة في حديث « من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه » الذي في الصحيحين وغيرهما وهي أنهم قالوا يا رسول كلنا نكره الموت فقال « ليس ذلك كراهية الموت ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من اللّه بما هو صائر اليه فليس شيء أحب اليه من أن يكون قد لقي اللّه فأحب لقاءه . وان الفاجر إذا حضر جاءه البشير من اللّه بما هو صاثر اليه من الشر فكره لقاء اللّه فكره اللّه لقاءه » وروى ابن مردويه وابن منده بسند ضعيف عن ابن عباس « ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة أو النار » وروى مثله ابن أبي الدنيا عن رجل لم يسم عن عليّ مرفوعا . فهذه الأحاديث تؤيد ما روي عن ابن عباس وغيره في تفسير الآية من كون الملائكة تخاطب من يموت من أهل الكتاب قبل خروج روحه بحقيقة أمر المسيح ، مع الانكار الشديد والتقبيح ، ومما يؤيد هذه الحقيقة النص في سورة يونس على تصريح . فرعون بالايمان حين أدركه الغرق . ولها دلائل أخرى كالأحاديث الواردة في عدم قبول التوبة عند الغرغرة واللّه أعلم