الشيخ محمد رشيد رضا
23
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فصل في مباحث تتعلق بمسألة الصلب إن مسألة الصلب من المسائل التاريخية التي لها نظائر وأشباه كثيرة ، فقد كان الملوك والحكام يقتلون ويصلبون ، وناهيك بالرومانيين وقسوتهم ، واليهود وعصبيتهم ، وقد قتل هؤلاء غير واحد من أنبيائهم اشهرهم زكريا ويحيى عليهما السّلام . والفائدة في اثبات التاريخ لمثل هذه الوقائع لا تعد والعبرة باخلاق الأمة ودرجة ضلالها وهدايتها وسيرة الحكام فيها . وقد كان اليهود في عصر المسيح تحت سلطان الروم ( الرومانيين ) والحاكم الروماني في بيت المقدس في ذلك العهد ( بيلاطس ) لم يكن يريد قتل المسيح ، ولم يحفل بوشاية اليهود وسعايتهم فيه ، ولا خاف ان يكون ملكا يزيل سلطان الروم عن قومه ، هكذا تقول النصارى في كتبها ، وانما كانت اليهود تريد قتله عليه السّلام لما دعا اليه من الاصلاح الذي يزحزحهم عن تقاليدهم المادية ، لأنهم بقتل زكريا ويحيى قد أصيبوا بالضراوة بسفك دماء النبيين والمصلحين ، فسواء صح خبر دعوى قتل عيسى وصلبه أم لم يصح ، فلا صحته تفيدنا عبرة بحال أولئك القوم لم تكن معروفة ، ولا عدمها ينقص من معرفتنا بأخلاقهم وتاريخ زمنهم . نعم ان مسألة الصلب ليست في ذاتها بالامر الذي يهتم باثباته أو نفيه في كتاب للّه عز وجل بأكثر من إثبات قتل اليهود النبيين بغير حق وتقريعهم على ذلك ، لولا ان النصارى جعلوها أساس العقائد وأصل الدين ، فمن فاته الايمان بها فهو في الآخرة من الهالكين ، ومن آمن بها على الوجه الذي يقولونه ويدعون اليه كان هو الناجي الفائز بملكوت السماء مع المسيح والرسل والقديسين . لأجل هذا كبر عليهم نفي القرآن العظيم لقتل المسيح وصلبه ، وهم يوردون في ذلك الشبهات على القرآن والاسلام . لهذا رأينا ان نبين عقيدة الصلب عندهم ، وشبهاتهم على نفيها مع الجواب عنها ، وما يتعلق بذلك من المباحث المهمة