الشيخ محمد رشيد رضا
229
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقد روى ابن جرير المسح عن النبي ( ص ) وعن كثير من الصحابة والتابعين منهم علي كرم اللّه وجهه قال : اغسلوا الاقدام إلى الكعبين ، وروى عن أبي عبد الرحمن قال قرأ علي الحسن والحسين رضوان اللّه عليهما فقرآ « وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ » فسمع علي عليه السّلام ذلك وكان يقضي بين الناس فقال : « وَأَرْجُلَكُمْ » هذا من المقدم والمؤخر من الكلام . وتفسير هذا ما رواه عن السدي من قوله : اما « وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ » فيقول اغسلوا وجوهكم واغسلوا أرجلكم وامسحوا برءوسكم فهذا من التقديم والتأخير . ومنهم عمر وابنه ( رض ) وروى عن عطاء أنه قال : لم أر أحدا يمسح على القدمين . ومذهب مالك الغسل دون المسح وهو يحتج بعمل أهل المدينة فلو كان أحد منهم يمسح لما منع المسح البتة ، ولا يتفقون على الغسل الا لأنه السنة المتبعة من عهد النبي ( ص ) ولكن ابن جرير روى القول بالمسح عن ابن عباس وأنس من الصحابة وعن بعض التابعين ، ومن الرواية عن ابن عباس ان الوضوء غسلتان ومسحتان ، وعن أنس « نزل القرآن بالمسح والسنة الغسل » وهو من أعلم الصحابة بالسنة لأنه كان يخدم النبي ( ص ) ثم قال ابن جرير بعد سوق الروايات في القولين ما نصه : والصواب من القول عندنا في ذلك ان اللّه أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم وإذا فعل ذلك بهما المتوضىء كان مستحقا اسم ماسح غاسل لان غسلهما امرار الماء عليهما أو اصابتهما بالماء ومسحهما امرار اليد وما قام مقام اليد عليهما ، فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو غاسل ماسح ، وكذلك من احتمال المسح المعنيين اللذين وصفت من العموم والخصوص اللذين أحدهما مسح ببعض والآخر مسح بالجميع اختلفت قراءة القراء في قوله « وَأَرْجُلَكُمْ » فنصبها بعضهم توجيها منه ذلك إلى أن الفرض فيهما الغسل وانكارا منه المسح عليهما مع تظاهر الاخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعموم مسحهما بالماء ، وخفضها بعضهم توجيها منه ذلك إلى أن الفرض فيهما المسح ، ولما قلنا في تأويل ذلك أنه معنيّ به عموم مسح الرجلين بالماء كره من كره للمتوضىء الاجتزاء بادخال رجليه في الماء دون مسحهما بيده أو بما قام مقام اليد توجيها منه قوله « وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ » إلى مسح جميعهما عاما باليد أو بما قام مقام اليد