الشيخ محمد رشيد رضا

19

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اصطلاحي للشك . وأما معناه في أصل اللغة فهو نحو من معنى الجهل ، وعدم استبانة ما يجول في الذهن من الامر ، قال الركاض الدبيري : يشك عليك الأمر ما دام مقبلا * وتعرف ما فيه إذا هو أدبرا فجعل المعرفة في مقابلة الشك . وقال ابن الأحمر : وأشياء مما يعطف المرء ذا النهى * تشك على قلبي فما استبينها وفي لسان العرب ان الشك ضد اليقين . فهو إذا يشمل الظن في اصطلاح أهل المنطق وهو ما ترجح أحد طرفيه . فالشك في صلب المسيح هو التردد فيه أكان هو المصلوب أم غيره ؟ فبعض المختلفين في أمره الشاكين فيه يقول إنه هو ، وبعضهم يقول إنه غيره ، وما لأحد منهما علم يقيني بذلك وانما يتبعون الظن . وقوله تعالى « إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ » استثناء منقطع كما علم من تفسيرنا له . وفي الأناجيل المعتمدة عند النصارى ان المسيح قال لتلاميذه « كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة » أي التي يطلب فيها للقتل ( متى 26 : 31 ومرقس 14 : 27 ) فإذا كانت أناجيلهم لا تزال ناطقة بأنه أخبر أن تلاميذه وأعرف الناس به يشكون فيه في ذلك الوقت وخبره صادق قطعا فهل يستغرب اشتباه غيرهم وشك من دونهم في أمره ، وقد صارت قصته رواية تاريخية منقطعة الاسناد ؟ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً اي وما قتلوا عيسى بن مريم قتلا يقينا أو متيقنين انه هو بعينه لأنهم لم يكونوا يعرفونه حق المعرفة . وهذه الأناجيل المعتمدة عند النصارى تصرح بأن الذي أسلمه إلى الجند هو يهوذا الإسخريوطي وانه جعل لهم علامة ان من قبله يكون هو يسوع المسيح فلما قبله قبضوا عليه . واما إنجيل برنابا فيصرح بأن الجنود أخذوا يهوذا الإسخريوطي نفسه ظنا انه المسيح لأنه القي عليه شبهه . فالذي لا خلاف فيه هو أن الجنود ما كانوا يعرفون شخص المسيح معرفة يقينية . وقيل إن الضمير في قوله تعالى « وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً » للعلم الذي نفاه عنهم ، والمعنى ما لهم به من علم لكنهم يتبعون الظن وما قتلوا العلم يقينا وتثبتا به بل رضوا بتلك الظنون التي يتخبطون فيها . يقال قتلت الشيء علما وخبرا - كما في الأساس - إذا أحطت به واستوليت عليه حتى لا ينازع ذهنك منه اضطراب ولا