الشيخ محمد رشيد رضا

194

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بصدد تفسيرها هنا ان الناس أخذوا بمفهوم أهل الكتاب وخصصوا أهل الكتاب باليهود والنصارى . وهذا مفهوم مخالفة منع الجمهور الاحتجاج به في اللقب . ولكن جرى العمل على هذا لأنه موافق للشعور الذي غلب على المسلمين في أول نشأتهم بعزة الاسلام وغلبته ، وظهور انحطاط جميع المخالفين له عن أهله ، ولهذا مال بعض المؤلفين إلى تحريم نكاح الكتابيات المنصوص على حله في آخر سور القرآن نزولا ، فمنهم من تأول النص بان معنى « أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ » عملوا به قبل الاسلام أو دانوا به قبل التحريف ، وهو تأويل ظاهر الفساد لا يصح لغة فان معنى أوتوه من قبلنا أعطوه أي أنزله اللّه عليهم ، والمفسرون متفقون على هذا المعنى في كل مكان ورد فيه هذا اللفظ ، وفي معناه قوله تعالى ( 6 : 156 أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا ) ولولا ان هذا هو المعنى لما كان للآية فائدة . ومنهم من التمس نقلا عن بعض المتقدمين ليجعله حجة على القرآن فوجدوا في بعض الكتب ان ابن عمر منع التزوج بالكتابية متأولا لآية البقرة وأنه قال : لا أعلم شركا أعظم من قولها ان ربها عيسى . وهو معارض بما رواه عبد بن حميد عن ميمون بن مهران قال سألت ابن عمر عن نساء أهل الكتاب فتلا عليّ هذه الآية « وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ * وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ » اه من الدر المنثور وظاهر معنى العبارة ان اللّه أحل المحصنات من أهل الكتاب وحرم المشركات من العرب . والقول الأول رواه عنه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم مع التصريح بأنه تأول آية البقرة ، فهو إذا صح اجتهاد منه ولم يقل أحد من الأصوليين ان اجتهاد الصحابي يعمل به في مسألة فيها نص بل منعه الجمهور مطلقا ومن قال به اشترط عدم النص وان لا يكون له مخالف من الصحابة ، أي لئلا يكون ترجيحا بغير مرجح ، وهذا القول مع وجود النص مخالف لما كان عليه سائر الصحابة ومنهم والده عمر أمير المؤمنين فقد روى عنه عبد الرزاق وابن جرير أنه قال : « المسلم يتزوج النصرانية ولا يتزوج النصراني المسلمة » وتمسك بعضهم بقوله تعالى « وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ » وهو جهل عظيم فان هذا نزل في النساء المشركات اللواتي أسلم أزواجهن وبقين على شركهن