الشيخ محمد رشيد رضا

195

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأقول إن الجاهلين بأخلاق البشر يظنون أن الغلظة في معاملة المخالف في الدين هي التي يظهر بها الدين وتعلو كلمته ، وتنتشر دعوته ، والصواب ان سوء المعاملة هو أعظم المنفرات ( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) وما انتشر الاسلام في العصر الأول بتلك السرعة التي لم يسبق لها نظير في دين من الأديان الا بحسن معاملة أهله لمن يعاشرونهم ويعيشون معهم ، ولولا ترك الخلف لسنة السلف في ذلك لما بقي في البلاد الاسلامية أحد لم يدخل الاسلام باختياره بل لعم الاسلام العالم كله نقول هذا تمهيدا لبيان حكمة مؤاكلة أهل الكتاب بلا تحرج من تذكيتهم وحل نسائهم ، وهي ان من غرض الشارع بذلك تألفهم ليعرفوا حقيقة الاسلام الذي هو أصل دينهم قد أكمله اللّه تعالى بحسب سنته في الترقي البشري والتدريج في كل شيء إلى أن ينتهي إلى كماله ، وهذا من مناسبات جعل هذه الآية بعد الآية المصرحة باكمال الدين . قال الأستاذ الامام في بيان حقيقة الاسلام من ( رسالة التوحيد ) : « التفت إلى أهل العناد فقال لهم « قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » * وعنف النازعين إلى الشقاق على ما زعزعوا من أصول اليقين ، ونص على أن التفرق بغي وخروج عن سبيل الحق المبين ، ولم يقف في ذلك عند حد الموعظة بالكلام ، والنصيحة بالبيان ، بل شرع شريعة الوفاق وقررها في العمل ، فأباح للمسلم ان يتزوج من أهل الكتاب وسوّغ مؤاكلتهم ، وأوصى أن تكون مجادلتهم بالتي هي أحسن ، ومن المعلوم أن المحاسنة هي رسول المحبة وعقد الألفة ، والمصاهرة انما تكون بعد التحاب بين أهل الزوجين والارتباط بينهما بروابط الائتلاف ، وأقل ما فيها محبة الرجل لزوجته وهي على غير دينه ، قال تعالى ( خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) اه المراد منه وإذا كانت الحكمة فيما شرعه اللّه تعالى من مؤاكلة أهل الكتاب والتزوج منهم هي إزالة الجفوة التي تحجبهم عن محاسن الاسلام باظهار محاسنه لهم بالمعاملة كما تقدم فينبغي لكل مسلم يريد الزواج منهم ان يكون مظهرا لهذه الحكمة وسالكا سبيلها ، وذلك بأن يكون قدوة صالحة لامرأته ولأهلها في الصلاح والتقوى ومكارم الأخلاق ، فإن لم ير نفسه أهلا لذلك فلا يقدم عليه . واننا نرى بعض المسلمين من