الشيخ محمد رشيد رضا

193

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حرم الاسلام المحمي ، وقلبه الذي تتدفق منه مادة الحياة إلى جميع الأطراف ، وموئله الذي يرجع اليه عند تألب الأعداء عليه ، ولذلك لم يقبل من مشركي جزيرة العرب الجزية حتى لا يبقى فيها مشرك ، بل أوصى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأن لا يبقى فيها دينان ، كما بينا ذلك في الفتوى الرابعة المنشورة في الجزء الثاني ( ص 97 ) من هذا المجلد ( الثاني عشر ) وتدل عليه الأحاديث الواردة في كون الاسلام يأرز في المستقبل إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها . وهذا يؤيد تفسير قتادة المشركين والمشركات في الآية إذا كان الازدواج بين المسلمين والمشركين ينافي هذه السياسة التي هي الأصل لاصيل في انتشار الاسلام وكان تزوج المسلمين بالصينيات مدعاة لدخولهن في الاسلام كما هو حاصل في بلاد الصين فلا يكون تعليل الآية للحرمة صادقا عليهن ، وكيف يعطى الضد حكم الضد ؟ ! وقد حذرنا في التفسير من التزوج بالكتابية إذا خشي ان تجذب المرأة الرجل إلى دينها لعلمها وجمالها وجهله وضعف أخلاقه كما يحصل كثيرا في هذا الزمان في تزوج بعض ضعفاء المسلمين ببعض الأوربيات أو غيرهن من الكتابيات فيفتنون بهن ، وسد الذريعة واجب في الاسلام اه ملخص هذه الفتوى ان المشركات اللاتي حرم اللّه نكاحهن في آية البقرة هن مشركات العرب وهو المختار الذي رجحه شيخ المفسرين ابن جرير الطبري وان المجوس والصابئين ووثنيي الهند والصين وأمثالهم كاليابانيين أهل كتب مشتملة على التوحيد إلى الآن والظاهر من التاريخ ومن بيان القرآن ان جميع الأمم بعث فيها رسل وان كتبهم سماوية طرأ عليها التحريف كما طرأ على كتب اليهود والنصارى التي هي احدث عهدا في التاريخ ، وان المختار عندنا أن الأصل في النكاح الإباحة ولذلك ورد النص بمحرمات النكاح ، وان قوله تعالى بعد بيان محرمات النكاح « وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ » يفيد حل نكاح نسائهم ، فليس لأحد ان يحرمه الا بنص ناسخ للآية أو مخصص لعمومها . وقد بينا في تفسير الآية التي نحن « تفسير القرآن » « 25 » « الجزء السادس »