الشيخ محمد رشيد رضا
181
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وروي عدة روايات في هذا المعنى . كأنه يريد أن العفة لا تشترط في النكاح وان عمر كان يجيز نكاح الزانية ، وليس هذا هو مراد عمر وانما أراد انها خرجت بالتوبة عن كونها زانية ، والروايات صريحة في ذلك . ففي بعضها : أليس قد تابت ؟ قال السائل بلى . وفي رواية المرأة الهمدانية التي شرعت في ذبح نفسها فادركوها فداووها فبرئت ، قال لهم : أنكحوها نكاح العفيفة المسلمة وفي رواية له : ان رجلا من أهل اليمن أصابت أخته فاحشة فأمرّت الشفرة على أوداجها فأدركت فدوي جرحها حتى برئت ، ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة فقرأت القرآن ونسكت حتى كانت من أنسك نسائهم ، فخطبت إلى عمها وكان يكره ان يدلسها ويكره ان يفشي على ابنة أخيه ، فأتى عمر فذكر ذلك له ، فقال عمر : لو أفشيت عليها لعاقبتك ، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه . وفي رواية أخرى : أتى رجل عمر فقال إن ابنة لي كانت وئدت في الجاهلية فاستخرجتها قبل ان تموت فأدركت الاسلام فلما أسلمت أصابت حدا من حدود اللّه فعمدت إلى الشفرة لتذبح بها نفسها فأدركتها وقد قطعت بعض أدواجها فداويتها حتى برئت ، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة فهي تخطب اليّ يا أمير المؤمنين فأخبر من شأنها بالذي كان ؟ فقال عمر أتخبر بشأنها تعمد إلى ما ستره اللّه فتبديه ؟ واللّه لئن أخبرت بشأنها أحدا من الناس لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار ، بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة . وروى ابن جرير أيضا عن الحسن قال قال عمر بن الخطاب : لقد هممت ان لا أدع أحدا أصاب فاحشة في الاسلام ان يتزوج محصنة . قال له أبيّ بن كعب : يا أمير المؤمنين الشرك أعظم من ذلك وقد يقبل منه إذا تاب اه والأباضية يشددون في النكاح بعد الزنا لا فرق عندهم بين من تاب ومن لم يتب . ولما كنت في مسقط في العام الماضي ( 1330 ) كانت قد عرضت واقعة في ذلك على السلطان السيد فيصل فسألني عنها فقلت ان الأصل في هذه المسألة قول تعالى ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) ولما كانت التوبة من الشرك تبيح نكاح التي آمنت وانكاح الذي آمن والشرك أقوى المانعين والأباضية مجمعون مع سائر المسلمين على