الشيخ محمد رشيد رضا

158

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مِنْ شَيْءٍ » وقوله « إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ » يعني الطريقة المستقيمة . ولو لم يكمل فيه جميع معانيها ( أي الشريعة ) لما صح اطلاق هذا المعنى عليه حقيقة ، وأشباه ذلك من الآيات الدالة على أنه هدى وشفاء لما في الصدور ، ولا يكون شفاء لجميع ما في الصدور الا وفيه تبيان كل شيء ( ومنها ) ما جاء من الأحاديث والآثار المؤذنة بذلك كقوله عليه السّلام « ان هذا القرآن حبل اللّه ، وهو النور المبين ، والشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن تبعه ، لا يعوجّ فيقوّم ، ولا يزيغ فيستعتب ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلق على كثرة الرد » الخ « 1 » فكونه حبل اللّه باطلاق والشفاء النافع إلى تمامه دليل على كمال الأمر فيه ، ونحو هذا في حديث علي عن النبي عليه السّلام ، وعن ابن مسعود « ان كل مؤدب يحب ان يؤتى أدبه وان أدب اللّه القرآن » « 2 » وسئلت عائشة عن خلق رسول اللّه ( ص ) فقالت « كان خلقه القرآن » « 3 » وصدق ذلك قوله « وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » . . . - ثم أورد الشاطبي طائفة من كلام علماء السلف الصحابة والتابعين ومن بعدهم في تأييد هذه المسألة وقال - : « ولقائل ان يقول إن هذا غير صحيح لما ثبت في الشريعة من المسائل والقواعد غير الموجودة في القرآن وانما وجدت في السنة ويصدق ذلك ما في الصحيح من قوله عليه السّلام « لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الامر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا أدري ما وجدنا في كتاب اللّه اتبعناه » « 4 » وهذا ذم ومعناه اعتماد السنة أيضا ، ويصححه قوله تعالى ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) الآية . قال ميمون بن مهران : الرد إلى اللّه الرد إلى كتابه ،

--> ( 1 ) رواه ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر وابن الأنباري في المصاحف والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود . وأوله ما نذكره من رواية الحاكم في الهامش الثاني ، واما الحديث الذي أشار اليه عن علي كرم اللّه وجهه فأوله « انها ستكون فتنة - قيل فما المخرج منها ؟ قال - كتاب اللّه فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه اللّه ، ومن ابتغي الهدى من غيره أضله اللّه ، وهو حبل اللّه المتين » الحديث رواه الترمذي وغيره وفي رواية عند الإمام أحمد « اتاني جبريل فقال يا محمد ان الأمة مفتونة بعدك ، فقلت له ما المخرج ؟ قال كتاب اللّه الخ ورواه آخرون من رواة ما قبله وفي أسانيده علل وكلام . وقد ورد في القرآن ما هو أصح مما أورده المصنف ( 2 ) رواه الحاكم بلفظ « ان هذا القرآن مأدبة اللّه فأتوا من مأدبته ما استطعتم » وسنده ضعيف ( 3 ) رواه أحمد ومسلم وأبو داود ( 4 ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي رافع