الشيخ محمد رشيد رضا

151

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « كان يعجبه الفأل الحسن » وما هو منه ، انما الفأل ضد الطيرة التي نفتها وأبطلتها الأحاديث الصحيحة ، وهو أن يسمع الانسان اسما حسنا أو كلمة خير فينشرح لها صدره وينشط فيما اخذ فيه . وقيل يكون الفأل في الحسن والرديء . والطيرة ( بوزن عنبة ) ما يتشاءم به من الفأل الرديء . هذه عبارة القاموس وهي من الطائر إذ كانوا يتفاءلون ويتشاءمون بحركة الطير ذات اليمين وذات الشمال حتى صار زجر الطير عندهم صناعة . قال في القاموس : والطائر الدماغ وما تيمنت به أو تشاءمت اه . وقوله ( ص ) « لا طيرة » في حديث الصحيحين يبطل حسن الطيرة ورديئها لأنه خرافة مبنية على الاستدلال على الحسن والقبح بما لا يدل عليه عقلا ولا شرعا ولا طبعا . لا فرق في التطير بين ان يكون بحركة الطير أو بغيرها من الأقوال والافعال . وهذه الطيرة قديمة العهد في العرب وقد أبطلها اللّه تعالى قبل الاسلام ، على لسان نبيه صالح عليه السّلام ، كما بين لنا ذلك في مجادلته لقومه ( ثمود ) في سورة النمل قال تعالى ( 27 : 47 قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ) والاستقسام بالأزلام أو غيرها شر من التطير الذي يقع للانسان من غير سعي اليه ، والفرق واضح بين الخرافات والأوهام التي تؤثر في نفس الانسان عرضا لقلة عقله أو تأثره بأحوال من تربى بينهم ، وبين ما يسعى اليه منها ويستثيره باختياره ويجعله حاكما على قلبه ، فيعمل بأمره ونهيه . وإذا صح ان النبي ( ص ) تساهل مع أصحابه وأقرهم على التفاؤل بالكلمة الطيبة ولم يعد هذا من الطيرة لعلمه بأنه أزال تلك العقائد الوهمية الباطلة من نفوسهم فلم تبق حاجة للتشديد عليهم فيما ينشرح له الصدر - فهذا التساهل لا يدل على جواز استقسام الجاهلية المحرم قطعا بنص القرآن الصريح لتغير المستقسم به ، فان تحريم الاستقسام ليست علته أنه بالأزلام ، بل أنه من الأباطيل والأوهام ، وأي فرق بين خشبات الأزلام وخشبات السبحة أو غير ذلك من حبها ؟ وأغرب من ذلك جعل الاستقسام من قبيل الاستخارة إذ استحله بعض الدجالين باطلاق اسمها عليه ، وجعله بعضهم من قبيل القرعة المشروعة ، وكل هذا من قياس الشيطان ، والحكم في دين اللّه بالهوى دون بينة ولا سلطان ،