الشيخ محمد رشيد رضا

152

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بيان ذلك ان الاسلام دين البصيرة والعقل والبينة والبرهان ، وآيات القرآن الكثيرة ناطقة بذلك ( قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * * لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ * قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ) الخ وارشاد القرآن وهديه في الحث على الاخذ بالدليل والبرهان ، عام يشمل جميع شؤون الانسان ، ولما كانت الدلائل والبينات تتعارض في بعض الأمور ، والترجيح بينها يتعذر في بعض الأحيان ، فيريد الانسان الشيء فلا يستبين له آلاقدام عليه خير أم تركه ؟ فيقع في الحيرة - جعلت له السنة مخرجا من ذلك بالاستخارة حتى لا يضطرب عليه أمره ولا تطول غمته ، وذلك المخرج هو الاستخارة ، وهي عبارة عن التوجه إلى اللّه عز وجل والالتجاء اليه بالصلاة والدعاء بأن يزيل الحيرة ويهيء وييسر للمستخير الخير ، وجدير هذا بأن يشرح الصدر لما هو خير الامرين ، وهذا هو اللائق بأهل التوحيد ان يأخذوا بالبينة والدليل الذي جعله اللّه تعالى مبنيا للخير والحق فان اشتبه على أحدهم أمر التجأ إلى اللّه تعالى فإذا شرح صدره لشيء أمضاه وخرج به من حيرته ، والقرعة تشبه ذلك بل أمرها أظهر ، فإنها انما تكون للترجيح بين المتساويين قطعا كالقسمة بين اثنين فإنه لا وجه لإلزام من تقسم بينهما بأن يأخذ زيد منهما هذه الحصة وعمرو الأخرى . فالقرعة طريقة حسنة عادلة . وقس على هذا ما يشبهه والذي صح في الاستخارة ما رواه الجماعة ( أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربع ) من حديث جابر بن عبد اللّه قال : كان رسول اللّه ( ص ) يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن ، يقول « إذا هم أحدكم بالامر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل « اللهم إني أستخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب . اللهم ان كنت تعلم أن هذا الامر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - ( أو قال عاجل أمري وآجله ) - فاقدره لي ويسره لي ، ثم بارك لي فيه . وإن كنت تعلم أن هذا الامر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه ، وأقدر لي الخير حيث كان ثم أرضي به »