الشيخ محمد رشيد رضا
13
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ان سؤال هؤلاء القوم رؤية اللّه تعالى جهرة أكبر وأعظم من سؤالهم النبي ( ص ) ان ينزل عليهم كتابا من السماء ، وكل من السؤالين يدل على جهلهم أو عنادهم ، أما سؤال انزال الكتاب فهو يدل على أحد أمرين : إما أنهم لا يفهمون معنى النبوة والرسالة على كثرة ما ظهر فيهم من الأنبياء والرسل ، ولا يميزون بين الآيات الصحيحة التي يؤيد اللّه بها رسله وبين سائر الأمور المستغربة كحيل السحر والشعوذة لمخالفتها للعادة ، وقد بينت لهم كتبهم انه يقوم فيهم أنبياء كذبة وأن النبي يعرف بدعوته إلى التوحيد والحق والخير لا بمجرد آية أو أعجوبة يعملها ( كما نص على ذلك في أول الفصل الثالث عشر من سفر تثنية الاشتراع وغيره ) وإما أنهم معاندون يقترحون ما يقترحون تعجيزا ومراوغة . وايّاما قصدوا من هذين الامرين فلا فائدة في إجابتهم إلى ما سألوا كما قال تعالى في سورة الأنعام ( 6 : 8 وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) وأما سؤالهم رؤية اللّه جهرة اي عيانا كما يرى بعضهم بعضا فهو أدل على جهلهم وكفرهم باللّه تعالى لأنهم ظنوا انه جسم محدود تدركه الأبصار ، وتحيط به أشعة الأحداق ، وقد عوقبوا على جهلهم هذا فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ إذ شبهوا ربهم بأنفسهم ، فرفعوا أنفسهم إلى ما فوق مرتبتها وقدرها ( وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) . * والصاعقة نار جوية ، تشتعل باتحاد الكهربائية الايجابية بالسلبية ، وتقدم تفسير مثل هذا في سورة البقرة ( راجع آية 55 « وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً » في الجزء الأول ) وفيه ان هذه الواقعة معروفة في كتبهم وفيها التعبير بالنار بدل الصاعقة . وربما يظن الظان انها نار خلقها اللّه تعالى من العدم . ولكن القرآن بين لنا انها من الصواعق المعتادة ارسلها اللّه عليهم عند ظلمهم هذا ، ولا يمنع ذلك أن تكون حدثت بأسبابها ، واللّه تعالى يوفق اقدارا لأقدار ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ المثبتة للتوحيد النافية للشرك على يد موسى عليه الصلاة والسّلام . وتقدم بيان هذا في تفسير آية ( 51 و 92 ) من سورة البقرة . فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ الذنب الذي هو اتخاذ العجل حين تابوا منه