الشيخ محمد رشيد رضا

14

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تلك التوبة النصوح التي قتلوا بها أنفسهم كما بين اللّه لنا ذلك في سورة البقرة ( 1 : 51 - 54 ) فراجعه وما قبله في الجزء الأول وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً أي سلطة ظاهرة بما اخضعناهم له على تمردهم وعصيانهم ، حتى في قتل أنفسهم * * * وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ اي بسبب ميثاقهم ليأخذوا ما أنزل إليهم بقوة ويعملوا به مخلصين . وقد تقدم هذا أيضا في الجزء الأول في تفسير قوله تعالى ( 1 : 63 وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) ومنه ان الظاهر أن هذا كان آية من الآيات الكونية ولكنه ليس نصا قاطعا فيه بدليل آية الأعراف فراجعه وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً اي ادخلوا باب القرية اي المدينة خاضعين للّه أو مطأمني الرؤوس مائلي الأعناق ذلة وانكسارا لعظمة اللّه كما يقال سجد البعير إذا طأمن رأسه لراكبه ، وتقول العرب شجرة ساجدة للرياح إذا كانت مائلة ، والسفينة تسجد للرياح أي تطيعها ، ذكر ذلك كله في الأساس . قيل تلك القرية بيت المقدس وقيل أريحا وقيل غير ذلك وتقدم في الجزء الأول ان المختار السكوت عن تعيينها كما سكت الكتاب العزيز ، وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ اي لا تتجاوزوا حدود اللّه فيه بالعمل الدنيوي . - وقد بين لنا تعالى في سورة البقرة ان بعضهم اعتدى في السبت ، وجاء في سورة الأعراف بيان اعتدائهم في السبت بصيد السمك وان بعضهم أنكروا على المعتدين وبعضهم سكتوا ، فهم قد خالفوا في السبت وخالفوا في دخول الباب سجدا فلا تستغرب بعد هذا مشاغبتهم للنبي ( ص ) ومعاندتهم له وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً اي عهدا مؤكدا ليأخذن التوراة بقوة وجد وليعملن بها وليقيمن حدود اللّه فيها ولا يعتدونها . وقد اخذ اللّه على بني إسرائيل عدة مواثيق والظاهر أن المراد بهذا الميثاق الغليظ ما ذكرناه من العمل بالتوراة كلها بقوة واجتهاد . وما يتبع ذلك من البشارة بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام ، وهو ما تراه أو ترى بقاياه إلى الآن في الفصل التاسع والعشرين إلى الفصل الثالث والثلاثين من سفر تثنية الاشتراع وهو آخر التوراة التي بأيديهم . واما الفصل