الشيخ محمد رشيد رضا
115
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كافة إلى الايمان به . فتم هذا السياق ببضع آيات ثم انتقل الكلام إلى إقامة الحجة على النصارى وابطال عقيدة التثليث واثبات الوحدانية وبيان ما هو المسيح ، وختمها بالوعد والوعيد وبيان ان محمدا رسوله تعالى برهان ، وكتابه نور ، ودعوة الناس كافة إلى الاهتداء بهما ، ووعد من اعتصم بهذا الكتاب بالرحمة والفضل الإلهيين ، وهداية الصراط المستقيم الذي يصل سالكه لي سعادة الدارين . وهذا هو ختم هذه السورة الحكيمة التي بين اللّه فيها أصول الحكومة الاسلامية وأهم فرائضها وأحكامها وناهيك بأحكام النساء والأهل والواريث والنكاح وحقوق الزوجية والايمان والشرك والتوبة والقتال ، وشؤون المنافقين وأهل الكتاب ودحض شبهاتهم ، فهي أعظم السور الطوال فوائد وأحكاما وحججا وأما الآية الأخيرة منها فهي ذيل للسورة في فتوى متممة لاحكام الفرائض التي في أوائلها . وقد بينا غير مرة الحكمة في أسلوب المزج في القرآن . وأما فائدة الاحكام أو المسائل التي تجعل ذيلا أو ملحقا لكتاب أو قانون فهي ان الذهن يتنبه إليها فضل تنبه فلا يغفل عنها كما يغفل عما يكون مندمجا في أثناء أحكام أو مسائل كثيرة من ذلك النوع . فكأن جعل هذه الآية مفردة على غير فواصل السورة يراد به توجيه النفوس إليها ، لئلا تغفل عنها ، وهذا الأسلوب صار مألوفا هذا العصر عند كثير من أمم العلم حتى في المراسلات الخاصة ، يجعلون للرسالة ذيلا يسمونه حاشية ، كما يكون ممن نسي مسألة ثم تذكرها بعد إتمام الرسالة وإمضائها بكتابة اسمه في آخرها ، وهم يتعمدون ذلك كثيرا لما ذكرنا من الغرض ، واللّه أعلم وأحكم ( يقول محمد رشيد مؤلف هذا التفسير : قد وفقني اللّه تعالى لاتمام تفسير هذه السورة في شهر ربيع الآخر سنة 1331 وإياه اسأل ان يوفقني لاتمام تفسير كتابه ويؤيدني فيه بروح الحق )