الشيخ محمد رشيد رضا

116

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

سورة المائدة ( وهي السورة الخامسة ، وآياتها مئة وعشرون عند القراء الكوفيين وعليه فلوجل ، ومئة وثنتان وعشرون عند الحجازيين والشاميين ، ومئة وثلاث وعشرون عند البصريين فالخلاف فيها على فاصلتين فقط ) هي مدنية بناء على المشهور من أن المدني ما نزل بعد الهجرة ولو في مكة ، والا فقد روي في الصحيح عن عمر أن قوله تعالى « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » الخ نزل عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع . وما رواه ابن مردويه عن أبي سعيد انها نزلت يوم غدير خم ، وعن أبي هريرة أنها نزلت في ثامن عشر ذي الحجة مرجع النبي ( ص ) من حجة الوداع كلاهما لا يصح . وروى البيهقي في شعب الايمان ان أول المائدة نزل بمنى أي عام حجة الوداع . وروى عن عبيد عن محمد بن كعب انها نزلت كلها في حجة الوداع بين مكة والمدينة أما التناسب بينها وبين سورة النساء فقد قال الكواشي انه لما ختم سورة النساء آمرا بالتوحيد والعدل بين العباد اكد ذلك بالأمر بالوفاء بالعقود . ونقل الآلوسي عن الجلال السيوطي في بيان ذلك ان سورة النساء قد اشتملت على عدة عقود صريحا وضمنا فالصريح عقود الأنكحة وعقد الصداق وعقد الحلف وعقد المعاهدة والأمان . والضمني عقد الوصية والوديعة والوكالة والعارية والإجارة وغير ذلك الداخل في عموم قوله تعالى « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها » فناسب ان تعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود . فكأنه قال : يا أيها الناس أوفوا بالعقود التي فرغ من ذكرها في السورة التي تمت وان كان في هذه السورة أيضا عقود ( قال ) ووجه أيضا تقديم النساء وتأخير المائدة بأن أول تلك « يا أَيُّهَا النَّاسُ » وفيها الخطاب بذلك في مواضع وهو أشبه بتنزيل المكي . وأول هذه « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » وفيها الخطاب بذلك في مواضع وهو أشبه بخطاب المدني ، وتقديم العامّ ( أي خطاب الناس كافة ) وشبه المكي أنسب .