الشيخ محمد رشيد رضا
94
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
« لَيْسَ الْبِرَّ » في الجزء الثاني ان اللقيط يوشك ان يدخل في معنى ابن السبيل . واختار بعض أذكياء المعاصرين في رسالة له ان هذا هو المعنى المراد ، واللفظ يتسع للقيط ولا سيما في باب الاحسان ما لا يتسع لغيره ، وهو أولى وأجدر من اليتيم بما ذكرنا من الحكمة والفقه في الامر بالاحسان به ، وانما غفل جماهير المفسرين عن ذكره لندرة اللقطاء في زمن المتقدمين منهم ، ولاحظ للمتأخرين من التأليف الا النقل عنهم ، لأنهم في الغالب قد حرموا على أنفسهم الاستقلال في الفهم لئلا يكون من الاجتهاد الذي تواطؤا على القول باقفال بابه ، وانقراض أربابه ، والرضي باستبدال الجهل به ، فان غير المستقل بفهم الشيء لا يسمى عالما به كما هو بديهي وعليه اجماع علماء السلف ، وقد كثر في هذه الأزمنة اللقطاء ولولا عناية الجمعيات الدينية من الاوربيين بجمعهم وتربيتهم وتعليمهم لكان شرهم في البلاد مستطيرا ، فلله در هؤلاء الاوربيين ما أشد عنايتهم بدينهم ، ونفع الناس به بحسب اجتهادهم واستطاعتهم ، وياللّه ما أشد غفلة المسلمين وجهل جماهيرهم بأنفسهم وبغيرهم فإنهم يزعمون أنهم أشد من الإفرنج عناية بدينهم وغيرة عليه وعملا به بل يزعمون أن الإفرنج قد تركوا الدين البتة ، يستنبطون هذه النتيجة من بعض أحرارهم الغالين الذين يلقونهم فيسمعون منهم كلم الالحاد ، أو من السياسيين منهم الذين يزلزلون ثقتنا بالدين لما يجهل أكثرنا من المقاصد والاغراض ، ونحن أحق الناس بتربية اللقطاء ، وجميع أنواع البر والاحسان ، قال تعالى وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي وأحسنوا بما ملكت ايمانكم ، من فتيانكم وفتياتكم ، وعبر في آية البر وفي آية الصدقات ( 9 : 61 ) بقوله « وَفِي الرِّقابِ » أي تحريرها وهذا هو الاحسان الأتم الأكمل وهو من المالك يحصل بعتقهم ، ومن غيره باعانتهم على شراء أنفسهم دفعة واحدة أو نجوما وأقساطا وهو المعبر عنه بالمكاتبة ، ودون هذا إحسان المالكين المعاملة إذا استبقوهم لخدمتهم وبينت السنة ذلك قولا وعملا ومنها ان لا يكلفوا ما لا يطيقون . وروى الشيخان وأبو داود والترمذي من حديث أبي ذر مرفوعا « هم اخوانكم وخولكم جعلهم اللّه تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل