الشيخ محمد رشيد رضا
84
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يقال أحسن به وأحسن له وأحسن اليه ، وقيل إذا تعدى الاحسان بالباء يكون متضمنا لمعنى العطف . وعندي أن التعدية بالباء أبلغ لاشعارها بالصاق الاحسان بمن يوجه اليه من غير اشعار بالفرق بينه وبين المحسن ، والتعدية بالى تشعر بطرفين متباعدين يصل الاحسان من أحدهما إلى الآخر والاحسان في المعاملة يعرفه كل أحد وهو يختلف باختلاف أحوال الناس وطبقاتهم وإن العامي الجاهل ليدري كيف يحسن إلى والديه ويرضيهما ما لا يدري العالم التحرير إذا أراد ان يحدد له ذلك ، قال بعضهم إن جماع الاحسان المأمور به ان يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ولا يخشن في الكلام معهما ، وان يسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر سعته ، وأنت تعلم أن من فعل ذلك وهو لا يلقاهما إلا عابسا مقطبا ، أو أدى النفقة التي يحتاجان إليها وهو يظهر الفاقة والقلة فإنه لا يعد محسنا بهما ، فالتعليم الحرفيّ لا يحدد الاحسان المطلوب من كل أحد بل العمدة فيها اجتهاد المرء وإخلاص قلبه في تحري ذلك بقدر طاقته وحسب فهمه لأكمل الارشاد الإلهي التفصيلي في ذلك بقوله عز وجل ( 17 : 23 وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ( 24 ) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 25 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ) فأنت ترى الرب العليم الحكيم الرحيم قد قفى هذه الوصية البليغة الدقيقة ببيان ان العبرة بما في نفس الولد من قصد البر والاحسان والاخلاص فيه وان التقصير مع هذا مرجوّ الغفران ، وقد فصل بعض العلماء القول في ذلك كالغزالي في الاحياء وابن حجر في الزواجر . قال الأستاذ الامام : الخطاب لعموم الافراد اي ليحسن كل لوالديه وذلك انهما السبب الظاهر في وجود الولد ونموه بما بذلا من الجهد والطاقة في تربيته بكل رحمة واخلاص وقد بينت كتب الاحكام الظاهرة ما للوالدين من حقوق النفقة وبينت كتب الدين جميع الحقوق والمراد بكتب الدين كتب آدابه كالاحياء للغزالي ويجمع هذه الحقوق كلها آيتا سورة الإسراء - وذكرهما وتكلم عليهما قليلا -