الشيخ محمد رشيد رضا

85

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأقول إن ههنا مسألة مهمة قلما تجد أحدا من علمائنا بينها كما ينبغي وهو ان بعض الوالدين يتعذر إرضاؤهما بما يستطيعه أولادهما من الاحسان بل يكلفون الأولاد ما لا طاقة لهم به وما أعجب حكمة اللّه في خلق هذا الانسان ، قلما تجد ذا سلطة لا يجور ولا يظلم في سلطته حتى الوالدين على أولادهما ، وهما اللذان آتاهما الفاطر من الرحمة الفطرية ما لم يوت سواهما ، قد تظلم الام ولدها قليلا مغلوبة لبادرة الغضب أو طاعة لما يعرض من أسباب الهوى ، كأن تتزوج رجلا تحبه ، وهو يكره ولدها من غيره ، وكأن يقع التغاير بينها وبين امرأة ولدها وتراه شديد الحب لامرأته يشق عليه ان يغضبها لأجل مرضاتها هي ، ففي مثل هذه الحال قلما ترضي الأم بالعدل ، وتعذر ولدها في خضوعه لسلطان الحب ، وإن هو لم يقصر فيما يجب لها من البر والاحسان ، بل تأخذها عزة الوالدية ، حتى تستل من صدرها حنان الأمومة ، ويطغى في نفسها سلطان استعلائها على ولدها ، ولا يرضيها الا ان يهبط من جنة سعادة الزوجية لأجلها ، وربما تلتمس له في مثل هذه الحال زوجا أخرى ينفر منها طبعه ، وما حيلته وقد سلب منه قلبه ، كما انها تظلمه من أول الأمر بمثل هذا الاختيار ، وظلم الآباء فيه أشد من ظلم الأمهات ، ولا تجب طاعة الوالدين في مثل هذا ، ويا ويح الولد الذي يصاب بمثلهما ، ولا سيما إذا كانا جاهلين بليدين يتعذر إقناعهما ، ولعلك إذا دققت النظر في أخبار البشر لا تجد فيها اغرب من تحكم الوالدين في تزويج الأولاد بمن يكرهون ، أو إكراههم على تطليق من يحبون ، ثبت في الهدي النبوي الشريف ان الثيب من النساء أحق بنفسها فليس لأبيها ولا لغيره من أوليائها ان يعقدوا لها الا على من تختاره وترضاه لنفسها ، لأنها لممارستها الرجال تعرف مصلحتها ، وان البكر على حيائها وغرارتها ، وعدم اختبارها وعلم ما يعلم الأب الرحيم من مصلحتها ، يجب أن تستأذن في العقد عليها ، ويكتفى من إذنها بصماتها ، وظاهره انها إذا لم تظهر الرضى بل صرحت بعدمه لا يجوز العقد عليها ، ومن قال من الفقهاء إن الأب ولي مجبر كالشافعية اشترطوا في صحة تزويجه لبنته بدون إذنها أن يكون الزوج كفؤا لها وان يكون موسرا بالمهر حالّا وان لا يكون بينها وبينه عداوة ظاهرة ولا خفية ، وان لا يكون بينها وبين الولي العاقد عداوة ظاهرة . فهذا قولهم