الشيخ محمد رشيد رضا

60

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولا يمدح الفاضل فيه بالجد والتشمير ، كاستواء الخلقة ، وقوة البنية ، وشرف النسب فتمني أمثال هذه المزايا لا يصدر الا عن سخافة في العقل ، ومهانة في النفس ، فينبغي لمن عرف ذلك من نفسه ان يبادر إلى معالجته بالفضل الكسبي الذي به يكون التفاضل الحقيقي بين الناس قبل أن تستحوذ عليه الامانيّ فتنسيه ربه وما ارشده اليه من طرق الفضل ، وتنسيه نفسه وما أودعته من الاستعداد والقدرة على الكسب ، ثم تحمله آلام تلك الامانيّ على المركب الصعب ، وهو طاعة الحسد بالايذاء والبغي ، فيكون من الهالكين ( ومنها ) ما ينال بالجد والسعي كالمال والجاه وهو المقصود بالنهي أولا بالذات ، لان الأول لبعده عن المعقول ، كأن من شأنه انه لا يكون ، ولا يشتغل بتمني هذا الا ضعيف الهمة ساقط المروءة ، جاهل بقدر استعداد الانسان ، وآيات الجد والاستقلال ، ولا يرضى اللّه تعالى للمؤمن ان يكون هكذا فهو يرشده إلى علو الهمة وهو من شعب الايمان ، ويهديه إلى الاعتماد على ما أوتيه من القوى في تحصيل كل ما يرغب فيه ، فالجاه الحقيقي انما ينال بالجد والكسب كالعلم النافع والمناصب وعمل المعروف وكذلك الثروة الأصل فيها أن تنال بالكسب والسعي ، والموروث منها قلما يثبت وينمو الا عند العاملين ، والذين يتربون على الاستقلال كأهل أمريكا وانكلترا يعتمدون على الطريف دون التليد حتى أن بعض الوارثين منهم راهن على كسب مقدار عظيم من المال يضاهي ثروته الموروثة بعد ان يخرج من جميع ما يملك وضرب لذلك أجلا غير بعيد فما حلّ الاجل الا وذلك المقدار العظيم في يده وكان خرج من ماله كله حتى ثيابه وابتدأ عمله الاستقلالي بالخدمة في الحمام ، وهمم الرجال لا يقف أمامها شيء ولكن أكثر الناس غافلون عن استعدادهم ، يتكلون على اجتناء ثمرة غيرهم ، ولذلك نبهنا الفاطر جلّ صنعه بعد النهي عن التمني والتلهي بالباطل إلى الكسب والعمل ، الذي ينال به كل امل ، فقال « لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ » فشرع الكسب للنساء كالرجال فأرشد كلّا منهما إلى تحري الفضل بالعمل دون التمني والتشهي ، وحكمة اختيار صيغة الاكتساب على صيغة الكسب أن صيغة الاكتساب تدل على المبالغة والتكلف ، وهو اللائق في مقام النهي عن التمني والتشهي ، كأنه يقول إن ما تطلبون