الشيخ محمد رشيد رضا
61
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من الفضل انما ينال بفضل العناية والكلفة في الكسب ، لا بما تثيره البطالة من أماني النفس ، وما قيل من استعمال الكسب في الخير والاكتساب في الشر فمأخوذ من قوله تعالى ( 2 : 286 لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) وليس ذلك من معنى الصيغة في شيء وانما اختير في هذه الآية للإشارة إلى أن الشر ليس من مقتضى الفطرة ( راجع ص 146 ج 2 تفسير ) وفي التعبير به في الآية التي نفسرها ارشاد إلى المبالغة والتكلف في طلب الزيادة من المال والجاه وكل ما يتفاضل فيه الناس بأعمالهم بشرط التزام الحق ، وإرشاد إلى اعتماد الناس في مطالبهم ورغائبهم على ما آتاهم اللّه من الاستعداد دون الكسل والتواكل ، واعتماد كل منهم على الآخر ، والكتاب والسنة مؤيدان لذلك ، فما أجدر المسلمين ، بأن يكونوا قدوة ومثلا للمستقلين ، فالمسلم بمقتضى إسلامه يعتمد على مواهبه وقواه في كل مطالبه مع الرجاء بفضل اللّه وتوفيقه ولذلك قال بعد الارشاد إلى الاكتساب وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أي ومهما أصبتم بالجد والاكتساب فلا ينسينكم ذلك حاجتكم إلى اللّه تعالى بما عليكم أن تسألوه من فضله الخاص الذي لا يصل اليه كسبكم إما لجهلكم به أو بطرقه وأسبابه وإما لعجزكم عنه كمن يجتهد في الزراعة أو التجارة فيدلي إليها بأسبابها التي ينالها كسبه ويسأل اللّه ان يتم فضله بالمطر الذي ينمو به الزرع ، واعتدال الريح ليسلم الفلك ، وهذا مما يجهله الانسان ويعجز عنه ، ومن هنا تفهم حكمة تذييل الآية بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فهو الذي علم الانسان بالالهام وبآياته في الأنفس والآفاق كيف يطلب المنافع والفضل ، وكلما سأله بلسان الحال والاستعداد والعمل زاده من فضله فخزائن جوده لا تنفد وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ولا يزال العاملون يستزيدونه ولا يزال ينزل عليهم من علمه ما يفضلون به القاعدين البطالين ، وقد بلغ التفاوت بين الناس في الفضل حدّا بعيدا جدّا حتى كاد التفاوت بين بعض الشعوب وبعضهم الآخر يكون ابعد من التفاوت بين بعض الحيوان وبعض الانسان ألا أذن تسمع وعين تبصر ! ! كيف يستولي العدد القليل من أهل الشمال الغربي