الشيخ محمد رشيد رضا

59

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

النفس بما يكون وما لا يكون . وقال أبو بكر تمنيت الشيء إذا قدرته وأحببت أن يصير إلي . اه وقد يظن أن التمني لا يدخل في حد الاختيار فيكون النهي عنه مشكلا ، وإنما يظن هذا الظن من يتبع نفسه هواها ، ويسلس لخواطرها العنان ، بل يلقي من يده العنان واللجام ، حتى تكون الامانيّ منه كالأحلام من النائم لا يملك دفعها إذا أتت ، ولا ردها إذا غربت ، وشأن قوي الإرادة غير هذا ولا يرضى اللّه تعالى من المؤمنين الا أن يكونوا أصحاب عزائم قوية فهو يرشدهم بهذا النهي إلى تحكيم الإرادة في خواطرهم التي تتحدث بها أنفسهم ، لتصرفها عن الجولان فيما هو لغيرهم كما يصرفون أجسامهم أن تجول في ملك غيرهم بدون اذنه ، وتوجهها في وقت الفراغ من الاعمال إلى ما هو أنفع واشرف كالتفكر في ملكوت السماوات والأرض ، وسنن اللّه تعالى في هذا الخلق ، ولا سيما سننه في حياة الأمم وموتها وقوتها وضعفها ، وتطبيق ذلك على أمتهم والتفكر في أمر الآخرة ، ونسبته إلى هذه الدنيا الفانية ، وهو الذي يخفف عن النفس ما تحمله من أثقال الحياة وتكاليفها الامر كذلك ، ان النهي عن تمني كل مكلف من ذكر وأنثى ما فضل اللّه به غيره عليه يتضمن ما يتحقق به الانتهاء وهو أمران ( أحدهما ) العمل النافع على الوجه الذي تكون به الفائدة تامة من العناية والاتقان ، ولا يشغل النفس بالامانيّ والتشهي كالبطالة والكسل ، ولذلك ذكر الكسب بعد النهي عن التمني ( ثانيهما ) توجيه الفكر في أوقات الاستراحة من العمل إلى ما يغذي العقل ويزكي النفس ، ويزيد في الايمان والعلم ، وقد ذكرناك به آنفا وهو يتوقف على قوة الإرادة ، وانما تقوى الإرادة باستعمالها في تنفيذ ما أمر به الشرع ، ودل عليه العقل ، وفي قوله « ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ » ايجاز بديع وهو يشمل ما فضل اللّه به بعض الرجال على بعض ، وما فضل به بعض النساء على بعض ، وما فضل به جنس الرجال على النساء ، وما فضل به جنس النساء على الرجال ، من حيث إن الخصوصية فضل اي زيادة في صاحبها على غيره ، وما فضل به بعض الرجال على بعض النساء ، وما فضل به بعض النساء على بعض الرجال ، وهذا الفضل أنواع ( منها ) ما لا يتعلق به الكسب ولا ينال بالعمل والسعي ، ولا يعاب المفضول فيه بالتقصير ،